عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

212

اللباب في علوم الكتاب

و « على » للاستعلاء ، وقد علا ذلك المكان ، و « في » للحلول ، وقد حلّ ذلك المكان . و « توعدون » ، و « تصدّون » ، و « تبغون » هذه الجمل أحوال [ أي ] : لا تقعدوا موعدين وصادّين وباغين . ولم يذكر الموعد له لتذهب النّفس كلّ مذهب . ومفعول « تصدّون » « من آمن » . قال أبو البقاء « 1 » : « من آمن » مفعول « تصدّون » لا مفعول « توعدون » ، إذ لو كان مفعولا للأوّل لقال : « تصدّونهم » ، يعني أنّه لو كان كذلك لكانت المسألة من التّنازع ، وإذا كانت من التنازع وأعملت الأول لأضمرت في الثاني فكنت تقول : « تصدّونهم » لكنه ليس القرآن كذا ، فدل على أن « توعدون » ليس عاملا فيه ، وكلامه يحتمل أن تكون المسألة من التّنازع - ويكون ذلك على إعمال الثاني ، وهو مختار البصريين وحذف من الأوّل - وألّا تكون وهو الظّاهر . وظاهر كلام الزمخشري « 2 » : أنّها من التّنازع ، وأنّه من إعمال الأوّل ، فإنّه قال : فإن قلت : إلام يرجع الضّمير في « من آمن به » ؟ قلت : إلى كلّ صراط ، تقديره : توعدون من آمن به وتصدّون عنه ، فوضع الظّاهر الذي هو « سبيل اللّه » موضع المضمر زيادة في تقبيح أمرهم . قال أبو حيّان « 3 » : « وهذا تعسّف وتكلّف مع عدم الاحتياج إلى تقديم وتأخير ، ووضع ظاهر موضع مضمر ، إذ الأصل خلاف ذلك كلّه ، ولا ضرورة تدعو إليه ، وأيضا فإنّه من إعمال الأوّل وهو مذهب مرجوح ، ولو كان من إعمال الأوّل لأضمر في الثاني وجوبا ، ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة شعر عند بعضهم [ كقوله ] : [ مجزوء الكامل ] 2519 - بعكاظ يعشي النّاظري * ن إذا هم لمحوا شعاعه « 4 » فأعمل « يغشي » ورفع به « شعاعه » وحذف الضمير من « لمحوا » تقديره : لمحوه . وأجازه بعضهم بقلة في غير الشّعر . والضّمير في « به » : إمّا لكل صراط كما تقدّم عن الزمخشريّ ، وإمّا على اللّه للعلم به ، وإمّا على سبيل اللّه ، وجاز ذلك ؛ لأنّه يذكّر ويؤنّث ، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال : « به » فذكّر ، وقال : « وتبغونها عوجا » فأنّث ، ومثله : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [ يوسف : 108 ] [ وقد تقدّم ] « 5 » نحو قوله : تَبْغُونَها عِوَجاً في آل عمران « 6 » .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 279 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 128 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 341 . ( 4 ) البيت لعاتكة بنت عبد المطلب ينظر : المغني 2 / 611 ، التصريح 1 / 320 ، الهمع 2 / 109 ، الدر المصون 3 / 301 . ( 5 ) سقط من أ . ( 6 ) ينظر تفسير الآية ( 99 ) من سورة آل عمران .