عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
213
اللباب في علوم الكتاب
ومعنى الآية أنّهم كانوا يجلسون على الطّريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب : إنّ شعيبا كذاب فلا يفتننّك عن دينك ، ويتوعدون المؤمنين بالقتل ، ويخوفونهم . قال الزمخشريّ « 1 » : قوله : « ولا تقعدوا بكلّ صراط » أي : ولا تقتدوا بالشّيطان في قوله : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قال : والمراد من قوله : « صراط » كلّ ما كان من مناهج الدّين ويدلّ عليه قوله : وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . قوله : « واذكروا » إمّا أن يكون مفعوله محذوفا ، فيكون هذا الظّرف معمولا لذلك المفعول أي : اذكروا نعمة اللّه عليكم في ذلك الوقت ، وإمّا أن يجعل نفس الظرف مفعولا به . قاله الزمخشريّ . وقال ابن عطية « 2 » : « إنّ « الهاء » في « به » يجوز أن تعود على شعيب عند من يرى أنّ القعود على الطريق للردّ عن شعيب ، وهو بعيد ؛ لأن القائل : « ولا تقعدوا » هو شعيب ، وحينئذ كان التركيب « من آمن بي » ، والادّعاء بأنّه من باب الالتفات بعيد جدا ؛ إذ لا يحسن أن يقال : « [ يا ] هذا أنا أقول لك لا تهن من أكرمه » أي : من أكرمني . قوله : إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ . قل الزّجّاج : « هذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه : كثر عددكم بعد القلّة ، وكثركم بالغنى بعد الفقر ، وكثركم بالقوة بعد الضعف » قال السدي : « كانوا عشارين » « 3 » . [ قوله ] : وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ . « كيف » وما في حيّزها معلّقة للنظر عن العمل ، فهي وما بعدها في محل نصب على إسقاط الخافض . والنظر هنا التفكّر ، و « كيف » خبر كان ، واجب التقديم . والمعنى : انظر كيف كان عاقبة المفسدين أي : جزاء قوم لوط من الخزي والنكال وعذاب الاستئصال . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 87 ] وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 87 ) قوله : وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا أي : اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنين ومكذبين ، و « طائفة » الثانية عطف على « طائفة » الأولى فهي اسم كان و « لَمْ يُؤْمِنُوا » معطوف على « آمنوا » الذي هو خبر كان ، عطفت
--> ( 1 ) ينظر الكشاف 2 / 1028 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 427 . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 190 ) وعزاه لأبي الشيخ عن مجاهد .