عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

204

اللباب في علوم الكتاب

قال الزّمخشريّ « 1 » : « فإن قلت : ما موقع هذه الجملة » ؟ قلت : لا محلّ لها لأنّها مستأنفة ، أنكر عليهم أوّلا بقوله : « أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ » ثمّ وبخهم عليها فقال : أنتم أوّل من عملها . أو تكون جوابا لسؤال مقدّر ، كأنّهم قالوا : لم لا تأتيها ؟ فقال : « ما سبقكم بها أحد ؛ فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به » وعلى هذا فتكون صفة للفاحشة ، كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] وقال الشّاعر : [ الكامل ] 2511 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني * . . . « 2 » والباء في « بها » فيها وجهان : أظهرهما أنها حالية ، أي : ما سبقكم أحد مصاحبا لها أي : ملتبسا بها . والثاني : أنّها للتعدية . قال الزمخشريّ « 3 » : الباء للتعدية من قولك : « سبقته بالكرة » إذا ضربتها قبله . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « سبقك بها عكّاشة » « 4 » . قال أبو حيان : « والتّعدية هنا قلقة جدا ؛ لأنّ « الباء » المعدّية في الفعل المتعدي لواحد [ هي ] بجعل المفعول الأوّل يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة ، وبيان ذلك أنّك إذا قلت : « صككت الحجر بالحجر » كان معناه : أصككت الحجر بالحجر أي : جعلت الحجر يصكّ الحجر ، فكذلك : دفعت زيدا بعمرو عن خالد ، معناه : أدفعت زيدا عمرا عن خالد أي جعلت زيدا يدفع عمرا عن خالد فللمفعول الأوّل تأثير في الثّاني ولا يصحّ هذا المعنى هنا ؛ إذ لا يصحّ أن يقدّر : أسبقت زيدا الكرة أي : جعلت زيدا يسبق الكرّة إلا بمجاز متكلّف ، وهو أن تجعل ضربك للكرة أول جعل ضربة قد سبقها أي : تقدّمها في الزمان فلم يجتمعا » . و « من » الأولى لتأكيد استغراق النفي والثانية للتبعيض . والوجه الثاني من وجهي الجملة : أنّها حال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : هو الفاعل أي : أتأتون مبتدئين بها . والثاني : هو المفعول أي : أتأتونها مبتدأ بها غير مسبوقة من غيركم . قال عمرو بن دينار : « ما يراد ذكر على ذكر في الدّنيا حتى كان قوم لوط » . قوله : « أإنّكم » قرأ نافع « 5 » وحفص عن عاصم : « إنكم » على الخبر المستأنف ، وهو بيان لتلك الفاحشة . وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتّوبيخ ، فقرأ ابن كثير بهمزة غير

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 125 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 125 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : السبعة 285 ، 286 ، والحجة 4 / 43 ، 44 ، وحجة القراءات 287 ، وإعراب القراءات 1 / 192 ، والعنوان 96 ، وشرح شعلة 392 ، وإتحاف 2 / 54 .