عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
186
اللباب في علوم الكتاب
[ الأول ] : أن في قصّة نوح : « فقال يا قوم » بالفاء ، وهنا قال بغير فاء ، فالفرق أنّ نوحا - عليه الصّلاة والسّلام - كان مواظبا على دعوتهم ، وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة ، وأما هود فلم يبلغ إلى هذا الحدّ ؛ فلا جرم جاء بفاء التعقيب في كلام نوح دون كلام هود . قال الزّمخشريّ : فإن قلت : لم حذف العاطف من قوله [ قال يا قوم ] ولم يقل « فقال » كما في قصّة نوح ؟ . قلت : هو على تقدير سؤال سائل قال : فما قال لهم هود ؟ فقيل له : « قال يا قوم » . الثاني : قال في قصة نوح : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، وهنا قال : « أَ فَلا تَتَّقُونَ » ، والفرق بينهما أنّ قبل نوح لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة ، وهي الطّوفان العظيم ، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . وأمّا واقعة هود - عليه السّلام - فقد سبقتها واقعة نوح ، وكان عهد النّاس بتلك الواقعة قريبا ، فلا جرم قال : « أَ فَلا تَتَّقُونَ » أي : تعرفون أنّ قوم نوح لمّا لم يتقوا اللّه ولم يطيعوه أنزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدّنيا ، فكان ذلك إشارة إلى التّخويف بتلك الواقعة . الثالث : قال في قصّة نوح « قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ » . وقيل في هود : « قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا » فوصف الملأ بالكفر ، ولم يوصفوا في قصّة نوح ، والفرق أنّه كان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد أسلم ، وكان يكتم إيمانه بخلاف قوم نوح ، لأنّه لم يؤمن منهم أحد « 1 » . قاله الزّمخشريّ « 2 » وغيره ، وفيه نظر لقوله تعالى : لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] وقال : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [ هود : 40 ] ويحتمل أنّ حال مخاطبة نوح لقومه لم يؤمن منهم أحد بعد ثمّ آمنوا ، بخلاف قصّة هود فإنّه حال خطابهم كان فيهم مؤمن ويحتمل أنها صفة لمجرّد الذّمّ من غير قصد تميز بها . الرابع : حكي عن قوم نوح قولهم : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وحكي عن قوم هود قولهم : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ [ الأعراف : 66 ] الفرق أنّ نوحا خوف الكفّار بالطّوفان العام وكان مشتغلا بإعداد السّفينة ، فلذلك قالوا : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ حيث تتعب نفسك في إصلاح سفينة كبيرة في مفازة ليس فيها قطرة من الماء ، ولم يظهر شيء من العلامات تدلّ على ظهور الماء في تلك المفازة . وأمّا هود فلم يذكر شيئا إلا أنه زيّف عبادة الأوثان ، ونسب من اشتغل بعبادتها إلى
--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 116 .