عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
187
اللباب في علوم الكتاب
السّفاهة وقلّة العقل ، فلّما سفّههم قابلوه بمثله ، ونسبوه إلى السّفاهة ، ثم قالوا : وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ في ادّعاء الرّسالة . قال ابن عبّاس : في سفاهة أي تدعو إلى دين لا نقر به . وقيل : في حمق ، وخفّة عقل ، وجهالة . وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ اختلفوا في هذا الظن فقيل : المراد القطع والجزم كقوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] وهو كثير . وقال الحسن والزّجّاج « 1 » : كان ظنّا لا يقينا ، كفروا به ظانين لا متيقّنين وهذا يدلّ على أنّ حصول الشّكّ والتّجويز في أصول الدّين يوجب الكفر . الخامس : قال نوح - عليه السلام - : « أبلّغكم رسالات ربّي وأنصح لكم » . وقال هود عليه السلام : « وأنا لكم ناصح أمين » ، فأتى نوح بصيغة الفعل ، وهود أتى بصيغة اسم الفاعل ، ونوح - عليه السلام - قال : « وأعلم من اللّه ما لا تعلمون » ، وهود لم يقل ذلك ، وإنّما زاد كونه « أمينا » ، والفرق بينهما أنّ الشّيخ عبد القاهر النّحويّ ذكر في كتاب « دلائل الإعجاز » أن صيغة الفعل تدلّ على التّجدّد ساعة فساعة . وأما صيغة اسم الفاعل فهي دالّة على الثّبات ، والاستمرار على ذلك الفعل « 2 » . وإذا ثبت هذا فنقول : إنّ القوم كانوا مبالغين في السّفاهة على نوح - عليه السّلام - ثم إنّه في اليوم الثّاني كان يعود إليهم ، ويدعوهم إلى اللّه كما ذكر اللّه - تعالى - عنه في قوله : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [ نوح : 5 ] . فلما كانت عادته - عليه السلام - العود إلى تجديد الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة ، لا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال : « وأنصح لكم » . وأما قول هود - عليه السلام - : « وأنا لكم ناصح أمين » فإنّه يدلّ على كونه مثبتا مستقرا في تلك النّصيحة ، وليس فيها إعلام بأنه سيعود إليها حالا فحالا ، ويوما فيوما . وأما قول نوح - عليه السّلام - « وأعلم من اللّه ما لا تعلمون » وهود - عليه السلام - وصف نفسه بكونه أمينا ، فالفرق أنّ نوحا - عليه السّلام - كان منصبه في النّبوّة أعلى من منصب هود عليه السّلام ، فلم يبعد أن يقال : إن نوحا - عليه السلام - كان يعلم من أسرار حكم اللّه ما لا يصل إليه هود ، فلهذا أمسك هود لسانه عن ذكر تلك الجملة ، واقتصر على وصف نفسه بالأمانة ومقصود منه أمور « 3 » : أحدها : الرّدّ عليهم في قولهم : وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 127 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 127 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 17 .