عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
180
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب أنّ قوله : « ليس بي ضلالة » من أحسن الردّ وأبلغه ؛ لأنّه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة فضلا عن أن يحيط به الضلال ، فكان المعنى : ليس بي نوع من أنواع الضّلال ألبتّة ، فكان هذا أبلغ في عموم السّلب فلو قال : لست ضالّا لم يؤدّ هذا المعنى . واعلم أنّ القوم إنما نسبوا نوحا في ادّعاء الرّسالة إلى الضّلال لأمور : أحدها : أنّهم استبعدوا أن يكون للّه رسولا إلى خلقه ، لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التّكليف ، والتّكليف لا منفعة فيه للمعبود ؛ لأنّه متعال عن النّفع والضّرر ، ولا منفعة فيه للعابد ؛ لأنّه في الحال مضرّة ، وما يوحي فيه من الثّواب والعقاب فاللّه - تعالى - قادر على تحصيله بغير واسطة تكليف ، فيكون التّكليف عبثا ، واللّه منزه عن العبث . وثانيها : أنّهم وإن جوّزوا التّكليف إلا أنّهم قالوا : ما علمنا حسنه بالعقل فعلناه ، وما علمنا قبحه تركناه حذرا من خطر العقاب ، فاللّه تعالى منزّه عن أن يكلّف عبده ما لا طاقة له به ، وإذا كان رسول العقل كافيا ، فلا حاجة إلى بعثه رسولا آخر . وثالثها : أي بتقدير أنّه لا بدّ من الرسول ، فإرسال الملائكة أولى ؛ لأنّ مهابتهم أشدّ ، وطهارتهم أكمل ، وبعدهم عن الكذب أعظم . ورابعها : اعلم أنّ بتقدير أن يبعث رسولا من البشر ، فلعلّ القوم اعتقدوا أن الفقير الذي ليس له أتباع ، ولا رئاسة لا يليق به منصب الرسالة ، أو لعلّهم اعتقدوا أنّ ادعاء نوح الرّسالة من باب الجنون وتخييلات الشّيطان ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضّلال ، وقد أجابهم نوح ببقية الآية على ما يأتي في أثنائها . ثمّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام لما نفى العيب عن نفسه ، وصف نفسه بأشرف الصّفات وهو قوله : وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ جاءت « لكنّ » هنا أحسن مجيء ؛ لأنّها بين نقيضين ؛ لأنّ الإنسان لا يخلو من أحد شيئين : ضلال ، أو هدى ، والرّسالة لا تجامع الضّلال . و « من ربّ » صفة ل « رسول » ، و « من » لابتداء الغاية المجازية . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 62 إلى 64 ] أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ( 64 ) قوله : « أبلّغكم » يجوز أن تكون جملة مستأنفة أتى بها لبيان كونه رسولا ، ويجوز أن تكون صفة ل « رسول » ، ولكنّه راعى الضّمير السّابق الذي للمتكلّم فقال : أبلّغكم ، ولو راعى الاسم الظّاهر لقال : يبلّغكم ، والاستعمالان جائزان في كلّ اسم ظاهر سبقه ضمير حاضر من متكلم ، أو مخاطب فتحرّر لك فيه وجهان :