عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
172
اللباب في علوم الكتاب
ثم قال تعالى : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي : أنكم لما شاهدتم أنّ هذه الأرض كانت مزيّنة وقت الرّبيع والصّيف بالأزهار والثّمار ، ثم صارت عند الشّتاء ميتة عارية عن تلك الزّينة ، ثم إنّه تعالى أحياها مرّة أخرى ، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب أن يكون قادرا على إحياء الأجساد بعد موتها أيضا . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 58 ] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) قيل : هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن والكافر بالأرض الخيرة والأرض السّبخة ، وشبه نزول القرآن بنزول المطر ، فشبّه المؤمن بالأرض الخيرة التي ينزل عليها المطر ، فتزهر وتثمر ، وشبّه الكافر بالأرض السّبخة ، فهي وإن نزل عليها المطر لم تزهر ولم تثمر . وقيل : المراد أنّ الأرض السّبخة يقلّ نفعها وثمرها ، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها ، بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة ، فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقّة العظيمة ، فلأن يطلب النّفع العظيم الموعود به في الآخرة بالمشقّة الّتي لا بد من تحصيلها في أداء الطّاعات أولى . قوله : « بإذن ربّه » يجوز أن تكون « الباء » سببية أو حالية وقرىء : « يخرج نباته » ، أي : يخرجه البلد وينبته « 1 » . قوله : « والّذي خبث » يريد الأرض السّبخة التي لا يخرج نباتها . يقال : خبث الشّيء يخبث خبثا وخباثة . قال الفراء : قوله : « إلّا نكدا » فيه وجهان : أحدهما : أن ينتصب حالا أي عسرا مبطئا . يقال : نكد ينكد نكدا بالفتح ، فهو نكد بالكسر . والثاني : أن ينتصب على أنّه نعت مصدر محذوف ، أي : إلا خروجا نكدا ، وصف الخروج بالنّكد كما يوصف به غيره ، ويؤيّده قراءة أبي « 2 » جعفر بن القعقاع : « إلّا نكدا » بفتح الكاف . قال الزّجّاج « 3 » : وهي قراءة أهل المدينة ، وقراءة ابن مصرّف : « إلا نكدا » بالسّكون وهما مصدران .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 118 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 112 ، والمحرر الوجيز 2 / 414 ، والبحر المحيط 4 / 322 ، والدر المصون 3 / 286 ، وإتحاف 2 / 52 . ( 3 ) ينظر تفسير معاني القرآن للزجاج 2 / 382 .