عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

151

اللباب في علوم الكتاب

وجلّ - ، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كيف استوى فأطرق رأسه مليّا ، وعلاه الرحضاء ، ثم قال : الاستواء مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسّؤال عنه بدعة ، وما أظنّك إلا ضالّا ، ثم أمر به ، فأخرج « 1 » . وروي عن سفيان الثّوريّ ، والأوزاعيّ ، واللّيث بن سعد وسفيان بن عيينة ، وعبد اللّه بن المبارك ، وغيرهم من علماء السّنّة في هذه الآيات التي جاءت في الصّفات المتشابهة ، أن نوردها كما جاءت بلا كيف « 2 » . والمذهب الثّاني : أن نخوض في تأويله على التّفصيل ، وفيه قولان : الأول : ما ذكره القفّال - رحمه اللّه - فقال : العرش في كلامهم : هو السرير الذي يجلس عليه الملك ، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك . يقال : ثلّ عرشه أي : انتقض ملكه وفسد ، وإذا استقام له ملكه واطّرد أمره وحكمه قالوا : استوى على عرشه واستقرّ على سرير ملكه ، وهذا نظير قولهم للرّجل الطويل : فلان طويل النّجاد ، وللرّجل الذي تكثر أضيافه : كثير الرّماد وللرّجل الشّيخ فلان اشتعل الرّأس منه شيبا ، وليس المراد بشيء من هذه الألفاظ إجراءها على ظواهرها إنّما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية ، فكذا هاهنا المراد من الاستواء على العرش نفاذ القدرة وجريان المشيئة ، كما إذا أخبر أنّ له بيتا ، يجب على عباده حجّه ، فهموا منه أنّه نصب لهم موضعا يقصدونه لمسألة ربّهم ، وطلب حوائجهم ، كما يقصدون بيوت الملوك لهذا المطلوب ، ثم علموا منه نفي التّشبيه ، وأنّه لم يجعل ذلك البيت مسكنا لنفسه ، ولم ينتفع به في دفع الحرّ والبرد عن نفسه ، وإذا أمرهم بتحميده ، وتمجيده ؛ فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ، ثمّ علموا بعقولهم أنّه لا يفرح بذلك التّحميد والتّعظيم ، ولا يغتم بتركه . وإذا عرف ذلك فنقول : إنّه تعالى أخبر أنّه خلق السّموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ، ولا مدافع ، ثمّ أخبر بعده أنّه استوى على العرش ، [ أي حصل له تدبير

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره 25 / 165 . ( 2 ) السلف والخلف فإنهم مجمعون على ثبوت صفات اللّه تعالى الواردة في الكتاب العزيز والسنة المحمدية . وإنما خلافهم في تفويض معنى المتشابه وهو مذهب السلف . وفي بيان معناه وهو مذهب الخلف ( قال الإمام ) السلفي الجليل ابن كثير في تفسيره ما نصه : أما قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فلنا في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هنا موضع بسطها . وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد قديما وحديثا . وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن اللّه تعالى ، فإن اللّه لا يشبهه شيء من خقله و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . بل الأمر كما قاله الأئمة . منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال : من شبه اللّه بخلقه كفر ، ومن جحد ما وصف اللّه به نفسه فقد كفر . ينظر : الدين الخالص 1 / 57 .