عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
152
اللباب في علوم الكتاب
المخلوقات على ما شاء وأراد فكان قوله ثم استوى على العرش ] « 1 » ، أي بعد أن خلقهما استوى على عرش الملك والجلال « 2 » . قال القفّال « 3 » : والدّليل على أنّ هذا هو المراد قوله في سورة يونس : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [ الآية : 3 ] . فقوله : « يدبّر » جرى مجرى التّفسير لقوله : اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ . وقال يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ . وهذا يدلّ على أنّ قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ إشارة إلى ما ذكرناه . فإن قيل : فإذا حملتم قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ على أنّ المراد إذا استوى على الملك ؛ وجب أن يقال : اللّه لم يكن مستويا قبل خلق السّموات والأرض . قلنا : إنّه تعالى كان قبل خلق العالم قادرا على تخليقها وتكوينها ، لا أنّه كان مكوّنا وموجدا لها بأعيانها ؛ لأنّ إحياء زيد ، وإماتة عمرو ، وإطعام هذا ، وإرواء ذلك ، لا يحصل إلا عند حصول هذه الأحوال ، فإذا فسّرنا العرش بالملك ، والملك بهذه الأحوال صحّ أن يقال : إنّه تعالى إنّما استوى على ملكه بعد خلق السّموات والأرض ؛ بمعنى أنّه إنّما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها ، بعد خلق السّموات والأرض « 4 » . والقول الثاني : أنّ استوى بمعنى استولى ، كما نذكره في « سورة طه » إن شاء اللّه تعالى . واعلم أنّه تعالى ذكر قوله : اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ في سبع سور : هاهنا ، ويونس [ 3 ] ، والرعد [ 2 ] ، وطه [ 5 ] ، والفرقان [ 59 ] ، والسجدة [ 4 ] ، والحديد [ 57 ] . قال ابن الخطيب « 5 » : « وفي كلّ موضع ذكرنا فوائد كثيرة ، فمن ضمّ تلك الفوائد بعضها إلى بعض ، بلغت مبلغا كثيرا ، وافيا بإزالة شبهة التّشبيه عن القلب » . قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ قرأ نافع « 6 » وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص هنا وفي سورة الرعد : [ 3 ] « يغشي » مخففّا من أغشى على أفعل ، والباقون بالتّشديد من غشّى على فعّل ، فالهمزة والتّضعيف كلاهما للتّعدية أكسبا الفعل مفعولا ثانيا ؛ لأنّه في الأصل متعد لواحد ، فصار الفاعل مفعولا . وقرأ حميد « 7 » بن قيس : « يغشى » بفتح الياء والشين ، « اللّيل » رفعا ، « النهار » نصبا ،
--> ( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 95 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 95 . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 96 . ( 6 ) ينظر : السبعة 282 ، الحجة 4 / 27 ، حجة القراءات ص ( 284 ) ، إعراب القراءات ( 1 / 285 ، العنوان ص ( 95 ) ، شرح الطيبة 4 / 297 ، شرح الشعلة ص ( 390 ) ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 51 . ( 7 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 409 ، والكشاف 2 / 109 ، والبحر المحيط 4 / 311 ، والدر المصون 3 / 281 .