عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

143

اللباب في علوم الكتاب

إيصال العقاب للمذنبين في الحال ، إلّا أنّه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدور ، فهذا التّأخير ليس لأجل أنّه تعالى أهمل العباد ، بل لما ذكرنا أنّه خصّ كلّ شيء بوقت معيّن لسابق مشيئته ، فلا يفتر عنه ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ ق : 38 ] . وقال المفسّرون : إنّه تعالى إنّما خلق العالم في ستّة أيّام ليعلّم عباده الرّفق في الأمور كما تقدّم عن سعيد بن جبير . وقال آخرون : « إنّ الشّيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الإحداث ، فلعلّه يخطر ببال بعضهم أنّ ذلك إنّما وقع على سبيل الاتّفاق ، أمّا إذا حدثت الأشياء على سبيل التّعاقب والتّواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة كان ذلك أقوى في الدّلالة على كونها واقعة بإحداث محدث حكيم وقادر عليم » « 1 » . وعن الرابع : أنّه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات فقال : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [ السجدة : 4 ] . وقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الفرقان : 58 - 59 ] . وعن الخامس : قوله أنّ المراد أنّه تعالى خلق السّموات ، والأرض في مقدار ستّة أيّام كما تقدّم . وقال بعض العلماء : المراد بالستّة أيّام هاهنا مراتب مصنوعاته ؛ لأنّ قبل الزّمان لا يمكن تجدد الزّمان ، والمراد بالأيام السّتّة : يوم لمادة السماوات ، ويوم لصورتها ، ويوم لكمالاتها من الكواكب ، والنّفوس ، وغيرها ويوم لمادة الأرض ويوم لصورتها ويوم لكمالاتها من الجبال وغيرها ، فاليوم عبارة عن الكون الحادث . وعن السادس : أنّ قوله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] محمول على إيجاد كلّ واحد من الذّوات وعلى إعدام كل واحد منها ؛ لأنّ إيجاد الموجود الواحد لا يقبل التّفاوت ، فلا يمكن تحصيله إلا دفعة ، وأمّا الإمهال فلا يحصل إلّا في المدّة « 2 » . وعن السابع : أنّ هذا السّؤال غير وارد ، لأنّه تعالى لو أحدثه في مقدار آخر من الزّمان لعاد ذلك السّؤال . قوله : « ثُمَّ اسْتَوى » الظّاهر عود الضّمير على اللّه - تعالى - بالتّأويل المذكور في البقرة . وقيل : الضّمير يعود على الخلق المفهوم من « خلق » ثم استوى خلقه على العرش ،

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 82 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 83 .