عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
142
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : أن وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصّانع هو حدوثها ، أو إمكانها ، أو مجموعها ، فأمّا وقوع ذلك الحدوث في ستة أيّام ، أو في يوم واحد فلا أثر له في ذلك ألبتّة . الثاني : أنّ العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز ، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستّة أيّام إلّا بإخبار مخبر صادق ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار ، فلو جعلنا هذه المقدّمة مقدّمة في إثبات الصّانع لزم الدّور « 1 » . الثالث : أنّ حدوث السماوات والأرض دفعة واحدة أدلّ على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيّام . وإذا ثبتت هذه الوجوه الثلاثة فنقول : ما الفائدة في ذكر أنّه تعالى إنّما خلقها في ستّة أيّام في إثبات ذكر ما يدلّ على وجود الصّانع ؟ الرابع : ما السّبب في أنّه اقتصر هاهنا على ذكر السّموات والأرض ، ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟ الخامس : اليوم إنّما يمتاز عن اللّيلة بطلوع الشّمس وغروبها ، فقبل خلق السّموات والقمر كيف يعقل حصول الأيّام ؟ السادس : أنّه تعالى قال : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] ، وهو كالمناقض لقوله خلق السّموات والأرض . السابع : أنّه تعالى خلق السّموات والأرض في مدة متراخية فما الحكمة في تقييدها بالأيام الستّة ؟ والجواب على مذهب أهل السّنّة واضح ؛ لأنّه تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه في أمر من الأمور ، وكلّ شيء صنعه ولا علّة لصنعه ، ثم نقول : أمّا الجواب عن الأوّل أنّه تعالى ذكر في أوّل التّوراة أنّه خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام ، والعرب كانوا يخالطون اليهود والظّاهر أنّهم سمعوا ذلك منهم ، فكأنّه سبحانه يقول : لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام ، فإنّ ربّكم هو الذي سمعتم من عقلاء النّاس أنّه هو الذي خلق السّموات والأرض على غاية عظمتها في ستّة أيّام « 2 » . وعن الثالث : أن المقصود منه أنّه تعالى وإن كان قادرا على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنّه جعل لكلّ شيء حدا محدودا ، ووقتا مقدرا ، فلا يدخله في الوجود إلّا على ذلك الوجه ، فهو ، وإن كان قادرا على إيصال الثّواب للمطيعين في الحال ، وعلى
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 81 . ( 2 ) لم يذكر الجواب عن الثاني .