عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
106
اللباب في علوم الكتاب
إمّا أنّ « في » الأولى ليست للظّرفية ، بل للمعيّة ، كأنّه قيل : ادخلوا مع أمم أي : مصاحبين لهم في الدّخول ، وقد تأتي « في » بمعنى « مع » كقوله تعالى : وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ [ الأحقاف : 16 ] . وقول الشاعر : [ الطويل ] 2462 - شموس ودود في حياء وعفّة * رخيمة رجع الصّوت طيّبة النّشر « 1 » وإمّا بأن « في النّار » بدل من قوله « في أمم » وهو بدل اشتمال كقوله : أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ [ البروج : 4 ، 5 ] . فإنّ النّار بدل من الأخدود ، كذلك « في النّار » بدل من « أمم » بإعادة العامل بدل اشتمال ، وتكون الظرفية في [ « في » ] الأولى مجازا ؛ لأنّ الأمم ليسوا ظروفا لهم حقيقة ، وإنّما المعنى : ادخلوا في جملة أمم وغمارهم . ويجوز أن تتعلّق « في أمم » بمحذوف على أنّه حال أي : كائنين في جملة أمم . و « في النّار » متعلّق ب « خلت » أي : تسبقكم في النّار . ويجوز أن تتعلّق بمحذوف على أنّه صفة ل « أمم » ، فتكون « أمم » قد وصفت بثلاثة أوصاف : الأولى : الجملة الفعليّة ، وهي قوله « قد خلت » . والثاني : الجارّ والمجرور ، وهو قوله : « مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ » . الثالث : قوله : « في النّار » ، والتقدير : في أمم خالية من قبلكم كائنة من الجنّ والإنس ، ومستقرّة في النّار . ويجوز أن تتعلّق « في النّار » بمحذوف أيضا ، لا على الوجه المذكور ، بل على كونه حالا من « أمم » ، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصّصها بالوصفين المشار إليهما . ويجوز أن يكون حالا من الضّمير في « خلت » ؛ إذ هو ضمير الأمم ، وقدّمت الجنّ على الإنس ؛ لأنّهم الأصل في الإغواء . قوله : « كلّما دخلت » تقدّم نظيرها ، وهذه الجملة يحتمل أن تكون صفة ل « أمم » أيضا ، والعائد محذوف أي : كلما دخلت أمة منهم أي : من الأمم المتقدّمة لعنت أختها ، والمعنى : أن أهل النّار يلعن بعضهم بعضا ، ويتبرّأ بعضهم من بعض كما قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] . والمراد بقوله أختها أي : في الدّين . قوله : « حتّى » هذه غاية لما قبلها ، والمعنى : أنّهم يدخلون فوجا فوجا ، لاعنا بعضهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 266 .