عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
86
اللباب في علوم الكتاب
أي : نأى عنّي . وحكى اللّيث : « نأيت الشيء » ، أي : أبعدته ، وأنشد : [ الطويل ] 2132 - إذا ما التقينا سال من عبراتنا * شآبيب ينأى سيلها بالأصابع « 1 » فبناه للمفعول ، أي : ينحّى ويبعد . والحاصل أنّ هذه المادة تدلّ على البعد ، ومنه أتنأى أي : أفعل النّأي . والمنأى : الموضع البعيد . قال النابغة : [ الطويل ] 2133 - فإنّك كالموت الّذي هو مدركي * وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع « 2 » و « تناءى » أي : تباعد ، ومنه النّؤي للحفيرة التي حول الخباء لتبعد عنه الماء . وقرىء « 3 » : وَنَأى بِجانِبِهِ [ فصلت : 51 ] وهو مقلوب من « نأى » ، ويدلّ على ذلك أنّ الأصل هو المصدر وهو « النّأي » بتقديم الهمزة على حرف العلّة . فصل في المراد بالآية وسبب نزولها معنى الآية الكريمة أنهم ينهون النّاس عن اتّباع محمّد صلى اللّه عليه وسلم وينأون عنه ، أي : يتباعدون عنه بأنفسهم نزلت هذه الآية في كفّار « مكة » المشرفة ، قاله محمد بن الحنفيّة والسّدي والضّحاك « 4 » ، وقال قتادة : ينهون عن القرآن ، وعن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ويتباعدون عنه « 5 » . واعلم أنّ النهي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم محال فلا بد أن يكون النهي عن فعل يتعلّق به ، فذكروا فيه قولين : الأول : ينهون عن تدبّر القرآن واستماعه ، وعن التّصديق بنبوة محمّد صلى اللّه عليه وسلم والإقرار برسالته . الثاني : قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى النّاس عن أذى النبي صلى اللّه عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به أي : يبعد ، حتى روي أنه اجتمع
--> ( 1 ) ينظر : اللسان ( نأى ) التهذيب ( نأى ) الدر المصون 3 / 35 . ( 2 ) ينظر : ديوانه ص ( 81 ) ، العمدة لابن رشيق 2 / 178 ، معاهد التنصيص 1 / 330 ، الكامل 3 / 33 ، المصون 67 اللسان ( نأى ) ، الدر المصون 3 / 36 . ( 3 ) وهي قراءة ابن عامر من رواية ابن ذكوان ينظر : السبعة ( 577 ) ، الدر المصون 3 / 36 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 171 ) عن محمد بن الحنفية وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 15 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 171 ) عن قتادة وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 16 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ .