عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
517
اللباب في علوم الكتاب
الجارّ هنا في قوّة المنطوق به ، وإنما حذف ؛ لأنّه يطّرد حذفه مع أنّ وأن لطولهما بالصّلة ، ولذلك كان مذهب الجمهور أنها في محلّ جرّ بعد حذفه لأنّه كالموجود ، ويدل على ما قلته ، ما قال الحوفيّ ؛ قال : « حذفت الباء لطول الصّلة وهي مرادة ، ولا يكون في هذا عطف مظهر على مضمر لإرادتها » . وأمّا الثاني : فالمعنى صحيح غير فاسد ؛ لأن معنى توصيتنا باستقامة [ الصّراط ألّا نتعاطى ما يخرجنا عن الصّراط فوصيتنا باستقامته ] « 1 » مبالغة في اتّباعه . وأما قراءة ابن عامر فقالوا : « أن » فيها مخفّفة من الثّقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن ، أي : « وأنّه » ؛ كقوله - تعالى - : أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [ يونس : 10 ] ، وقول الأعشى : [ البسيط ] 2384 - في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل « 2 » وحينئذ ففيها الأربعة أوجه المتقدّمة المذكورة في المشدّدة . وقرأ ابن « 3 » عامر وابن كثير : « سراطي » بالسّين ، وحمزة : بين الصّاد والزّاي ، والباقون : بالصّاد صافية ، وفي مصحف عبد اللّه : « وهذا صراطي » بدون « أنّ » ، و « هذا صراط ربّك » . قوله : فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ . أي : الطّرق المختلفة التي عدا هذا الطّريق ؛ مثل اليهوديّة ، والنصرانية ، وسائر الملل ، وقيل : الأهواء والبدع . فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي : فتقعوا في الضّلالات . روى ابن مسعود - رضي اللّه عنهما - عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه خطّ خطا عن يمينه ، وخطّ عن شماله خطوطا ، ثم قال : هذا سبيل اللّه ، وهذه سبل ، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليها ، ثم تلا : « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ » « 4 » . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : هذه الآيات محكمات ، لم ينسخهنّ شيء من
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) تقدم برقم 2025 . ( 3 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 38 ، الدر المصون 3 / 219 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 435 ، 465 ، في مسند عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه والدارمي في السنن 1 / 67 ، باب في كراهية أخذ الرأي . والنسائي في « السنن الكبرى » على ما ذكره المزي في تحفة الأشراف 7 / 25 ، الترجمة ( 9215 ) ، و 7 / 49 الترجمة ( 9281 ) . والحاكم ( 2 / 318 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 1 / 175 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 106 ) وزاد نسبته للبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم .