عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
518
اللباب في علوم الكتاب
جميع الكتب ، من عمل بهنّ ، دخل الجنّة ، ومن تركهنّ ، دخل النار « 1 » . قوله : « فتفرّق » منصوب بإضمار « أن » بعد الفاء في جواب النّهي ، والجمهور « 2 » على « فتفرّق » بتاء خفيفة ، والبزّيّ بتشديدها « 3 » ، فمن خفّف ، حذف إحدى التّاءين ، ومن شدّد أدغم ؛ وتقدم هذا في تَتَذَكَّرُونَ [ الأنعام : 80 ] . و « بكم » : يجوز أن يكون مفعولا به في المعنى ، أي : فيفرّقكم ، ويجوز أن تكون حالا ، أي : وأنتم معها ؛ كقوله القائل في ذلك : [ الوافر ] 2385 - . . . * تدوس بنا الجماجم والتّريبا « 4 » وختم هذه الآية بالتّقوى وهي اتّقاء النّار ؛ لمناسبة الأمر باتّباع الصّراط ، فإن من اتّبعه وقى نفسه من النّار . فصل في فضل هذه الآية قال القرطبي « 5 » في هذه الآية الكريمة : « وهذه آية عظيمة عطفها على ما تقدّم ، فإنه لمّا نهى وأمر حذّر هنا عن اتّباع غير سبيله ، فأمر فيها باتّباع طريقه » . « مستقيما » : نصب على الحال ، ومعناه : مستويا قائما لا اعوجاج فيه ، وقد بيّنه على لسان نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، ونشأت منه طرق ، فمن سلك الجادّة نجا ، ومن خرج إلى تلك الطّرق أفضت به إلى النّار . قال - تعالى - : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي : تميل . روى ابن مسعود - رضي اللّه عنهما - قال : « خطّ لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما خطّا ، ثم قال : هذا سبيل اللّه ، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ، ثم قرأ هذه الآية الكريمة » « 6 » . وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد اللّه قال : كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فخط خطّا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : هذا سبيل اللّه - ثم تلا هذه الآية - وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ « 7 » . وهذه السّبل هي اليهوديّة ، والنّصرانية ، والمجوسيّة ، وسائر أهل الملل والبدع والضّلالات ، من أهل الأهواء والشّذوذ في الفروع ، وغير ذلك من أهل التّعمّق في الجدل
--> ( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره 14 / 4 عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : الحجة لأبي زرعة 278 السبعة ( 274 ) الحجة لابن خالويه ( 152 ) النشر ( 2 / 266 ) التبيان 1 / 552 معاني الفراء 1 / 366 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 254 ، الدر المصون 3 / 219 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : القرطبي 7 / 89 . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) أخرجه ابن ماجة ( 1 / 10 ) المقدمة حديث ( 11 ) من حديث جابر .