عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

505

اللباب في علوم الكتاب

و « عليكم » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلّق ب « حرّم » ؛ وهذا اختيار البصريّين . والثاني : أنه متعلّق ب « أتل » ؛ وهو اختيار الكوفيّين ، يعني : أن المسألة من باب الإعمال ، وقد عرفت أن اختيار البصريّين إعمال الثّاني واختيار الكوفيين إعمال الأوّل . قوله : « أَلَّا تُشْرِكُوا » فيه أوجه : أحدها : أنّ « أن » تفسيرية ؛ لأنّه تقدّمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ، و « لا » هي ناهية ، و « تشركوا » مجزوم بها ، وهذا وجه ظاهر ؛ وهو اختيار الفراء « 1 » قال : « ويجوز أن يكون مجزوما ب « لا » على النّهي ؛ كقولك : « أمرتك ألا تذهب إلى زيد » بالنّصب والجزم » . ثم قال : والجزم في هذه الآية الكريمة أحبّ إليّ ؛ كقوله - تبارك وتعالى - : فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ [ الأعراف : 85 ] يعني : عطف هذه الجملة الأمريّة يقوّي [ أنّ ] ما قبلها نهي ؛ ليتناسب طرفا الكلام . وهو اختيار الزّمخشري « 2 » : أيضا ؛ فإنه قال : « وأن في « أَلَّا تُشْرِكُوا » مفسّرة ، و « لا » للنّهي » ثم قال بعد كلام : « فإن قلت : إذا جعلت « أن » مفسّرة لفعل التّلاوة ، وهو معلّق بما حرّم ربّكم ، وجب أن يكون ما بعده منهيّا عنه محرّما كلّه ؛ كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النّهي [ فما تصنع ] بالأوامر ؟ » . قال شهاب الدّين « 3 » : « لمّا وردت هذه الأوامر مع النّواهي ، وتقدمهنّ جميعا فعل التّحريم ، واشتركن في الدّخول تحت حكمه ، علم أن التّحريم راجع إلى أضدادها ، وهي الإساءة إلى الوالدين ، وبخس الكيل والميزان ، وترك العدل في القول ، ونكث العهد » . قال أبو حيّان « 4 » - رضي اللّه عنه - : « وكون هذه الأشياء اشتركت في الدّخول تحت حكم التّحريم ، وكون التّحريم راجعا إلى أضداد الأوامر ؛ بعيد جدّا ، وإلغاز في التّعامي ، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك » . قال شهاب الدين « 5 » : « ما استبعده ليس ببعيد ، وأين الإلغاز والتّعمّي من هذا الكلام حتى يرميه به » . قال ابن الخطيب « 6 » : فإن قيل : قوله : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً كالتّفصيل لما أجمله في قوله - تبارك وتعالى - : « ما حرّم » وذلك باطل ؛ لأن ترك الشّرك والإحسان بالوالدين واجب لا محرّم . والجواب من وجوه :

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 364 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 79 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 213 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 250 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 213 . ( 6 ) ينظر : الرازي 13 / 189 .