عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

498

اللباب في علوم الكتاب

الإيمان والطّاعة على سبيل القهر والإلجاء ؛ لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التّكليف ، فثبت بهذا البيان أن الّذين يقولونه من أنّا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة اللّه - تعالى - ، فإنه يلزم منه كونه - تعالى - عاجزا ضعيفا ، كلام باطل . قال ابن الخطيب « 1 » : والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول : إن هذه السّورة من أولها إلى آخرها تدلّ على صحّة قولنا ومذهبنا ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التّأويلات ، وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قويّة مؤكّدة بالدّلائل العقلية القاطعة . وإذا ثبت هذا ؛ فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لوقع التّناقض الصّريح في كتاب اللّه - تعالى - فإنّه يوجب أعظم أنواع الطّعن فيه . وإذا ثبت هذا ؛ فنقول : إنه - تبارك وتعالى - حكى عن القوم بأنّهم قالوا : « لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا » ثم ذكر عقيبه : « كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » فهذا يدلّ على أن القوم قالوا : لمّا كان الكلّ بمشيئة اللّه وتقديره ، كان التّكليف عبثا ، فكانت دعوى الأنبياء باطلة ، ونبوّتهم ورسالتهم باطلة ، ثم إنه - تبارك وتعالى - بيّن أن التّمسّك بهذا الطّريق في إبطال النّبوّة باطل ؛ وذلك لأنّه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض لأحد عليه ، فهو - تبارك وتعالى - يشاء الكفر من الكافر ، ومع هذا يبعث إليه الأنبياء ، ويأمره بالإيمان ، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع . فالحاصل : أنه - تبارك وتعالى - بيّن أن هذا الاستدلال فاسد باطل ؛ فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة للّه في كل الأمور على دفع دعوة الأنبياء ، وعلى هذا الطّريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلّيّة ، وجميع الوجوه التي ذكرتموها ، والتّقبيح والتّهجين عائد إلى تمسّكهم بثبوت المشيئة للّه على دفع دعوة الأنبياء فيكون الحاصل : أنّ هذا الاستدلال باطل [ وليس فيه ألبتّة ما يدلّ على أن القول بالمشيئة باطل ] « 2 » . فإن قالوا : إن هذا العذر إنما يستقيم إذا قرأنا قوله - تعالى - : « كذلك كذّب » بالتّشديد ، وأمّا إذا قرأناه بالتّخفيف ، فإنه يسقط هذا العذر بالكلّيّة ، فنقول : فيه وجهان : الأول : أنا نمنع صحّة هذه القراءة ؛ والدّليل عليه أنّا بينّا أن هذه السّورة من أولها إلى آخرها تدلّ على قولنا ، فلو كانت هذه الآية الكريمة دالّة على قولهم لوقع التّناقض ، ويخرج القرآن عن كونه كلاما للّه - تعالى - ، ويندفع هذا التّناقض بألا نقبل هذه القراءة « 3 » . والثاني : سلّمنا صحّة هذه القراءة ، لكن نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة اللّه - تعالى - في كل أفعال العباد ، سقوط نبوّة الأنبياء وبطلان دعوتهم ،

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 186 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 186 .