عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
497
اللباب في علوم الكتاب
المتقدّم ، فإنما كذّبه بهذا الطّريق ؛ لأنه يقول : « الكل بمشيئة اللّه ، فهذا الذي أنا عليه من الكفر إنما حصل بمشيئة اللّه - تعالى - ، فلم يمنعني منه » وإذا حملنا الآية على هذا الوجه ، صارت القراءة بالتّشديد مؤكّدة للقراءة بالتّخفيف ، فيصير مجموع القراءتين دالا على إبطال قول المجبّرة . وثالثها : قوله - تبارك وتعالى - بعده : حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا وذلك يدلّ على أنّهم استوجبوا الوعيد من اللّه ؛ بذهابهم إلى هذا الوجه . ورابعها : قوله - تعالى - بعده : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ، وهذا استفهام على وجه الإنكار ، وذلك يدلّ على أنّ هذا القائل بهذا القول ليس له فيه حجّة ، فدلّ على فساده ؛ لأن الحقّ على القول به دليل . وخامسها : قوله - تعالى - بعده : « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ » مع أنه - تعالى - ذم الظّنّ بقوله - تعالى - : إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ يونس : 36 ] ، ونظائره . وسادسها : قوله : وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ، والخرص أكبر أنواع الكذب ، قال - تعالى - : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [ الذاريات : 10 ] . وسابعها : قوله - تعالى - بعده : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وتقديره : أنّهم احتجوا في دفع دعوى الأنبياء على أنفسهم بأن قالوا : كل ما حصل فهو بمشيئة اللّه - تعالى - ، وإذا شاء اللّه منّا ذلك ، فكيف يمكننا تركه ؟ وإذا كنّا عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه ؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة اللّه - تعالى - ، فهذا هو حجّة الكفّار على الأنبياء ، فقال - تعالى - : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وذلك من وجهين « 1 » : الأول : أنه - تعالى - أعطاكم عقولا كاملة ، وأفهاما وافية ، وآذانا سامعة ، وعيونا باصرة ، وأقدركم على الخير والشرّ ، وأزال الأعذار والموانع بالكلّيّة عنكم ، فإن شئتم ذهبتم إلى الخيرات ، وإن شئتم ذهبتم إلى عمل المعاصي والمنكرات ، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثّبوت بالضّرورة ، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثّبوت أيضا بالضّرورة ، وإذا كان الأمر كذلك ، كان ادّعاؤكم أنّكم عاجزون عن الإيمان والطّاعة دعوى باطلة ، فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على اللّه حجّة ، بل للّه الحجّة البالغة عليكم . الوجه الثاني : أنكم تقولون : لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة اللّه - تعالى - ، لكنّا قد غلبنا اللّه وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادّته ، وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا ، وذلك يقدح في كونه إلها ، فأجاب اللّه - تبارك وتعالى - عنه : بأن العجز والضّعف إنما يلزم إذا لم يكن قادرا [ على حملهم على الإيمان والطّاعة على سبيل القهر والإلجاء ، وأنا قادر ] « 2 » على ذلك ، وهو المراد من قوله : « فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » ، إلا أني لا أحملكم على
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 185 - 186 . ( 2 ) سقط في ب .