عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
484
اللباب في علوم الكتاب
قال شهاب الدين « 1 » : هذه قراءة ابن عامر ، نسبها لأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني شيخ نافع ؛ وهو محتمل ، وقوله : « كان يلزمه » إلى آخره هو معنى ما ضعّف به أبو البقاء هذه القراءة ، وتقدّم جواب ذلك ، واتّفق أنّ ابن عامر يقرأ : وإن تكن ميتة بالتّأنيث والرّفع وهنا كذلك . وقرأ ابن كثير وحمزة : « تكون » بالتّأنيث ، « ميتة » بالنّصب على أن اسم « تكون » مضمر عائد على مؤنّث أي : إلا أن يكون المأكول أو النّفس أو الجثّة ميتة ، ويجوز أن يعود الضّمير من « تكون » على « محرّما » ، وإنّما أنّث الفعل لتأنيث الخبر ؛ كقوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ [ الأنعام : 23 ] ، بنصب « فتنتهم » وتأنيث « تكن » . وقرأ الباقون : « يكون » بالتّذكير ، « ميتة » نصبا ، واسم « يكون » يعود على قوله : « محرّما » أي : إلّا أن يكون ذلك المحرّم ، وقدّره أبو البقاء « 2 » ومكّي « 3 » وغيرهما : « إلّا أن يكون المأكول » ، أو « ذلك ميتة » . قوله : « أَوْ دَماً مَسْفُوحاً » « دما » على قراءة العامّة : معطوف على خبر « يكون » وهو « ميتة » ، وعلى قراءة ابن عامر وأبي جعفر : معطوف على المستثنى ، وهو « أَنْ يَكُونَ » وقد تقدّم تحرير ذلك . و « مسفوحا » صفة ل « دما » ، والسّفح : الصبّ ، وقيل : « السّيلان » ، وهو قريب من الأول ، و « سفح » يستعمل قاصرا ومتعدّيا ؛ يقال : سفح زيد دمعه ودمه ، أي : أهراقه ، وسفح هو ، إلّا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر ، ففي المتعدّي يقال : سفح ، وفي اللّازم يقال : سفوح ، ومن التّعدّي قوله تعالى : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ؛ فإن اسم المفعول التّامّ لا يبنى إلا من متعدّ ، ومن اللّزوم ما أنشده أبو عبيدة لكثيّر عزّة : [ الطويل ] 2369 - أقول ودمعي واكف عند رسمها * عليك سلام اللّه والدّمع يسفح « 4 » فصل فيما كان محرما بمكة قال القرطبي « 5 » : « هذه الآية الكريمة مكّيّة ، ولم يكن في الشّريعة في ذلك الوقت محرّم غير هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة « المائدة » ب « المدينة » وزيد في المحرّمات ؛ كالمنخنقة ، والموقوذة والمتردّية ، والنّطيحة ، والخمر ، وغير ذلك ، وحرّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة أكل كلّ ذي ناب من السّباع ، ومخلب من الطّير » .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 204 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 263 . ( 3 ) ينظر : المشكل 1 / 296 . ( 4 ) ينظر : ديوانه 463 ، تفسير الفخر الرازي 13 / 222 ، الدر المصون 3 / 205 . ( 5 ) ينظر : القرطبي 7 / 76 .