عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
46
اللباب في علوم الكتاب
استأنفت بعدها « ليجمعنّكم » ، وإن شئت جعلتها في موضع نصب كما قال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ [ الأنعام : 54 ] قال شهاب الدين « 1 » - رحمه اللّه - : واستشهاده بهذه الآية الكريمة حسن جدا . وردّ ابن عطيّة « 2 » هذا بأنه يلزم دخول نون التوكيد [ في الإيجاب قال : وإنما تدخل على الأمر والنهي ، وجواب القسم ، ورد أبو حيان « 3 » حصر ابن عطيّة ورود نون التوكيد ] « 4 » فيما ذكر وهو صحيح ، وردّ كون « ليجمعنّكم » بدلا من الرحمة بوجه آخر ، وهو أنّ « ليجمعنكم » جواب قسم ، وجملة الجواب وحدها لا موضع لها من الإعراب ، إنما يحكم على موضع جملتي القّسم والجواب بمحلّ الإعراب . قال شهاب الدين « 5 » : وقد خلط مكّي المذهبين ، وجعلهما مذهبا واحدا ، فقال : « ليجمعنّكم » في موضع نصب على البدل من « الرحمة » واللام لام القسم ، فهي جواب « كتب » ؛ لأنه بمعنى : أوجب ذلك على نفسه ، ففيه معنى القسم ، وقد يظهر جواب عما أورده أبو حيّان على غير مكي ، وذلك أنهم جعلوا « ليجمعنّكم » بدلا من الرّحمة - يعني : هي وقسيمها المحذوف ، واستغنوا عن ذكر القسم ، لا سيما وهو غير مذكور . وأمّا مكّي فلا يظهر هذا جوابا له ؛ لأنّه نصّ على أنّه جواب ل « كتب » ، فمن حيث جعله جوابا ل « كتب » لا محلّ له ، ومن حيث جعله بدلا كان محلّه النّصب ، فتنافيا ، والذي ينبغي في هذه الآية الكريمة أن يكون الوقف عند قوله : « الرحمة » . وقوله : « ليجمعنّكم » جواب قسم محذوف أي : « واللّه ليجمعنّكم » ، والجملة القسميّة لا محلّ لها بما قبلها من حيث الإّعراب ، وإن تعلّقت به من حيث المعنى . و « إلى » على بابها ، أي : ليجمعنّكم منتهين إلى يوم القيامة . وقيل : هي بمعنى « اللّام » كقوله تعالى : إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ [ آل عمران : 9 ] وقيل : بمعنى « في » أي : ليجمعنّكم في يوم القيامة . وقيل : هي زائدة ، أي : ليجمعنكم يوم القيامة ، وقد يشهد له قراءة من قرأ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [ إبراهيم : 37 ] بفتح « الواو » إلّا أنه لا ضرورة هنا إلى ذلك . وتقدّم الكلام في لا رَيْبَ فِيهِ في أول « البقرة » [ البقرة : 2 ] والجملة حال من « يوم » والضمير في « فيه » يعود على « اليوم » . وقيل : يعود على الجمع المدلول عليه بالفعل ؛ لأنه ردّ على منكري القيامة .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 17 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 272 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 86 . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : الدر 2 / 17 .