عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

384

اللباب في علوم الكتاب

ويحتمل أن تكون من الإضافة الّتي بمعنى اللام ، وليست من باب إضافة صفة لموصوف ، والمعنى : الشّياطين التي للإنس ، والشّياطين التي للجنّ ، فإن إبليس قسّم جنده قسمين : قسم متسلّط على الإنس ، وآخر على الجنّ ، كذا جاء في التّفسير . ووقع « عدوا » مفعولا ثانيا ل « شياطين » على أحد الإعرابين بلفظ الإفراد ؛ لأنّه يكتفى به في ذلك ، وتقدّم شواهده ، ومنه ما أنشده ابن الأنباري : [ الطويل ] 2286 - إذا أنا لم أنفع صديقي بودّه * فإنّ عدوّي لن يضرّهم بغضي « 1 » فأعاد الضّمير من « يضرّهم » على « عدوّ » فدل على جمعيّته ؛ وكقوله تعالى : ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [ الذاريات : 24 ] ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا [ النور : 31 ] إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ العصر : 2 ، 3 ] . وقيل لا حاجة إلى هذا التّكليف ، والتّقدير وكذلك جعلنا لكلّ واحد من الأنبياء عدوّا واحدا ، إذ لا يجب أن يكون لكلّ واحد من الأنبياء أكثر من عدوّ واحد . فصل في دلالة الآية دلّ ظاهر قوله - تعالى - : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا على أنّه - تبارك وتعالى - هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنّبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا شكّ أن تلك العداوة معصية وكفر ، فهذا يقتضي أن خالق الخير ، والشّر ، والطّاعة ، والمعصية ، والإيمان والكفر هو اللّه تعالى . وأجاب الجبّائي « 2 » عنه ؛ بأن المراد من هذا الجعل : الحكم والبيان فإن الرّجل إذا حكم بكفر إنسان ، قيل : إنه كفّره ، وإذا أخبر عن عدالته ، قيل إنه عدّله ، فكذا ههنا أنّه - تعالى - لما بيّن للرسول - عليه الصلاة والسلام - كونهم أعداء له لا جرم قال : إنّه جعلهم أعداء له وأجاب الأصمّ « 3 » : بأنه - تعالى - لما أرسل محمّدا صلى اللّه عليه وسلم إلى العالمين ، وخصّه بتلك المعجزات ، حسدوه ، وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القويّة فلهذا قال إنّه - تعالى - : جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبّي : [ الطويل ] 2287 - . . . * وأنت الّذي صيّرتهم [ لي ] حسّدا « 4 » وأجاب الكعبي « 5 » عنه : بأنّه - تبارك وتعالى - أمر الأنبياء بعداوتهم ، وأعلمهم

--> ( 1 ) ينظر : البيت في تفسير الفخر الرازي 13 / 154 ، البحر 4 / 209 ، الدر المصون 3 / 160 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 125 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) عجز بيت وصدره : أزل حسد الحساد عني بكبتهم ينظر : ديوان المتنبي 2 / 126 ، والفخر الرازي 13 / 124 . ( 5 ) ينظر : الرازي 13 / 125 .