عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
385
اللباب في علوم الكتاب
كونهم أعداء له ، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ؛ لأنّ العداوة لا تحصل إلّا من الجانبين ، فلهذا جاز أن يقال : إنه - تعالى - جعلهم أعداء للأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - . وهذه أجوبة ضعيفة لما تقدّم أنّ الأفعال مسندة إلى الدّواعي ، وهي حادثة من قبل اللّه - تعالى - ، وإذا كان كذلك ، صحّ مذهبنا ، ثم ههنا بحث آخر ، وهو أنّ العداوة ، والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان ؛ فإن الرّجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر ألبتّة على إزالة تلك الحالة عن قلبه ، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة ، ولو أتى بكل تكلّف وحيلة ، لعجز عنه ، ولو كان حصول العداوة والصّداقة في القلب باختيار الإنسان ، لوجب أن يكون الإنسان متمكنا من قلب العداوة بالصّداقة ، وبالعكس ، فكيف لا ، والشّعراء عرفوا أنّ ذلك خارج عن الوسع قال المتنبّي : [ المتقارب ] 2288 - يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطّباع على النّاقل « 1 » والعاشق الّذي يشتد عشقه [ قد ] يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ، ولا يقدر عليه ، ولو كان حصول ذلك الحبّ والبغض باختياره ، لما عجز عن إزالته . فصل في معنى الآية قال عكرمة ، والضّحّاك ، والكلبي « 2 » : المعنى : شياطين الإنس الّتي مع شياطين الجنّ ، وذلك أنّ إبليس قسّم جنده فريقين ، فبعث فريقا منهم إلى الإنس ، وفريقا إلى الجنّ ، وكلا الفريقين أعداء للنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ولأوليائه ، وهم يلتقون في كل حين ، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجنّ : أضللت صاحبي بكذا ، فأضلل صاحبك بمثله ، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك . فلذلك وصّى بعضهم إلى بعض . وقال قتادة ، ومجاهد ، والحسن : إن من الإنس شياطين ، كما أن من الجنّ شياطين « 3 » ، والشّيطان الثّاني المتمرد من كلّ شيء . قالوا : إن الشّيطان إذا أعياه المؤمن ، وعجز عن إغوائه ، ذهب إلى متمرّد من الإنس ، وهو شيطان الإنس ، فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، يدلّ عليه ما روي عن أبي ذرّ ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هل تعوّذت باللّه من شياطين الجنّ والإنس ، قلت يا رسول اللّه ، وهل للإنس من شياطين ، قال : نعم ، هم شرّ من شياطين الجن « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : ديوان المتنبي 2 / 17 . والفخر الرازي 13 / 126 . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 45 ) . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 74 ) وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر . وذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 45 ) عن ابن عباس وضعفه . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 314 - 315 ) وأحمد ( 5 / 178 ) من حديث أبي ذر . وذكره ابن كثير في « تفسيره » ( 3 / 312 ) وقال : هذا فيه انقطاع .