عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

368

اللباب في علوم الكتاب

وتخبرنا : أنّ عيسى كان يحيى الموتى ، وأن صالحا أخرج النّاقة من الجبل ؛ فأتنا أنت أيضا بآية ، لنصدّقك . فقال - عليه الصلاة والسلام - : ما الذي تحبّون ؟ قالوا : تجعل لنا الصّفا ذهبا ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسأله عنك ؛ أحقّ ما تقول ، أم باطل ، أو أرنا الملائكة يشهدون ذلك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فإن فعلت بعض ما تقولون ، أتصدّقونني ؟ قالوا : نعم ، واللّه ، لأن فعلت ، لنتّبعنّك ، فقام - عليه الصلاة والسلام - يدعو فجاءه جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقال : إن شئت ، كان ذلك ، ولئن كان ، فلم يصدّقوا عنده ، لنعذّبنهم ، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم ، فقال - عليه الصلاة والسلام - بل حتّى يتوب تائبهم ، فأنزل اللّه - تعالى - الآية الكريمة « 1 » . وقيل : لما نزل قوله - تعالى - : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] ، أقسم المشركون باللّه ، لئن جاءتهم آية ، ليؤمننّ بها ، فنزلت الآية الكريمة . واختلفوا في المراد بالآية . فقيل : ما تقدّم من جعل الصّفا ذهبا . وقيل : هي الأشياء المذكورة في قوله - تبارك وتعالى - : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] . وقيل : إن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يخبرهم : بأنّ عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم الماضية الذين كذّبوا أنبياءهم ، فالمشركون طلبوا مثلها . قوله : « إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ » ذكروا في لفظة « عند » وجوها : فقيل : معناه : أنه - تبارك وتعالى - هو المختصّ بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره ؛ لأن المعجزات الدّالّة النبّوّات ، شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا اللّه - تعالى - . وقيل : المراد بالعنديّة : أن العلم بأن إيجاد هذه المعجزات ، هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفّار على الإيمان أم لا ؟ ليس إلا عند اللّه ، كقوله : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] . وقيل : المراد : أنّها وإن كانت معدومة في الحال ، إلا أنّه - تعالى - متى شاء ، أوجدها ، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند اللّه ، يظهرها متى شاء ، وليس لكم أن تتحكّموا في طلبها ، ولفظ « عند » على هذا ؛ كما في قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ الحجر : 21 ] .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 5 / 306 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 72 ) وانظر الرازي ( 13 / 117 ) والقرطبي ( 7 / 42 ) .