عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
369
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « وَما يُشْعِرُكُمْ » « ما » : استفهاميّة مبتدأ ، والجملة بعدها خبرها ، وفاعل « يشعر » يعود عليها ، وهي تتعدى لاثنين . الأوّل : ضمير الخطاب . والثاني : محذوف ، أي : وأيّ شيء يدريكم إيمانهم [ إذا جاءتهم الآيات التي اقترحوها . قال أبو علي « 1 » : « ما » استفهام ، وفاعل « يشعركم » ضمير « ما » والمعنى : وما يدريكم إيمانهم ؟ فحذف المفعول ، وحذف المفعول كثير ] « 2 » . والمعنى أي : بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات ، فهم لا يؤمنون . وقرأ العامّة « 3 » : أنها بفتح الهمزة ، وابن كثير وأبو عمرو ، وأبو بكر بخلاف عنه بكسرها . فأمّا قراءة الكسر : فواضحة استجودها النّاس : الخليل وغيره ، لأن معناها : استئناف إخبار بعدم إيمان من طبع على قلبه ، ولو جاءتهم كلّ آية . قال سيبويه « 4 » : سألت الخليل عن هذه القراءة يعني : قراءة الفتح فقلت : ما منع أن يكون كقولك : ما يدريك أنّه لا يفعل ؟ فقال : لا يحسن ذلك في هذا الموضع ، إنّما قال : « وَما يُشْعِرُكُمْ » ثم ابتدأ ؛ فأوجب ، فقال : « أَنَّها إِذا جاءَتْ ، لا يُؤْمِنُونَ » ولو فتح ، فقال : « وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ » ، لكان عذرا لهم ، وقد شرح النّاس قول الخليل ، وأوضحوه ، فقال الواحدي وغيره : لأنّك لو فتحت « أنّ » وجعلتها الّتي في نحو : بلغني أنّ زيدا منطلق ، لكان عذرا لمن أخبر عنهم أنّهم لا يؤمنون ؛ لأنّه إذا قال القائل : « إنّ زيدا لا يؤمن » فقلت : وما يدريك أنّه لا يؤمن ؟ كان المعنى : أنه يؤمن ، وإذا كان كذلك ، كان عذرا لمن نفى عنه الإيمان ، وليس مراد الآية الكريمة ، إقامة عذرهم ، ووجود إيمانهم . وقال الزّمخشري « 5 » : « وقرىء « إنّها » بالكسر ؛ على أنّ الكلام قد تمّ قبله بمعنى : « ما يشعركم ما يكون منهم » ثمّ أخبرهم بعلمه فيهم ، فقال : إنّها إذا جاءت ، لا يؤمنون » . وأما قراءة الفتح : فقد وجّهها النّاس على ستّة أوجه : أظهرها : أنّها بمعنى : لعلّ ، حكى الخليل « أتيت السّوق أنّك تشتري لنا منه شيئا » أي : « لعلّك » فهذا من كلام العرب - كما حكاه الخليل - شاهد على كون « أنّ » بمعنى لعلّ وأنشد أبو جعفر النّحّاس : [ الطويل ]
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 118 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الحجة للفارسي 3 / 376 ، الدر المصون 3 / 154 المحتسب 1 / 226 ، النشر 2 / 261 ، الوسيط 3 / 311 . التبيان 1 / 530 ومجاز القرآن 1 / 204 الأخفش 2 / 501 الحجة لأبي زرعة ص 265 . السبعة 265 . ( 4 ) ينظر : الكتاب 1 / 462 . ( 5 ) ينظر : الكشاف 2 / 57 .