عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
367
اللباب في علوم الكتاب
مشعر بأنّ إقدامهم على ذلك المنكر إنّما كان بتزيين اللّه تعالى ، فأمّا أن يحمل ذلك على أنّه - تبارك وتعالى - زيّن الأعمال الصّالحة في قلوب الأمم ، فكان هذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضا : فقوله : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ : يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام بالأمّة المؤمنة ، ترك لظاهر العموم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 109 إلى 110 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ الآية الكريمة . لما طعنوا في النّبوّة بمدارسة العلماء ، حتى عرف التّوراة والإنجيل ، ثم جعل السّور والآيات بهذا الطّريق ، وأجاب اللّه - تعالى - عن هذه الشّبهة ، ذكر في هذه الآية شبهة لهم أخرى ، وهي أنّ هذا القرآن العظيم ليس من جنس المعجزات البيّنة ، ولو أنّك يا محمّد جئتنا بمعجزة وبيّنة باهرة ، لآمنّا بك وحلفوا على ذلك ، وبالغوا على ذلك في تأكيد الحلف . قال الواحدي « 1 » : إنّما سمّي اليمين بالقسم ؛ لأن اليمين موضوعة لتأكيد الخبر الّذي يخبر به الإنسان : إمّا مثبتا للشّيء ، وإمّا نافيا ، ولما كان الخبر يدخله الصّدق والكذب ، احتاج المخبر إلى طريق به يتوسّل إلى ترجيح جانب الصّدق على جانب الكذب ، وذلك هو الحلف ، ولما كانت الحاجة إلى ذكر الحلف ، إنّما تحصل عن انقسام النّاس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدّق به ومكذّب به ، سمّوا الحلف بالقسم ، وبنوا تلك الصّيغة على « أفعل » وقالوا : أقسم فلان يقسم إقساما ، وأرادوا : أنه أكّد القسم الذي اختاره ، وأحال الصّدق إلى القسم الذي اختاره بواسطة الحلف واليمين . قوله : « جَهْدَ أَيْمانِهِمْ » تقدم الكلام عليه في « المائدة » « 2 » . وقرأ طلحة بن مصرّف « 3 » : « ليؤمنن » مبنيا للمفعول مؤكّدا بالنون الخفيفة ، ومعنى « جَهْدَ أَيْمانِهِمْ » : قال الكلبيّ ومقاتل : إذا حلف الرّجل باللّه جهد يمينه « 4 » ، وقال الزّجّاج « 5 » : بالغوا في الأيمان . فصل في سبب النزول قال محمّد بن كعب القرظي : قالت قريش : يا محمّد إنّك تخبرنا أنّ موسى - عليه الصّلاة والسلام - كانت معه عصا يضرب بها الحجر ، فينفجر منه الماء اثنتي عشرة عينا ،
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 117 . ( 2 ) الآية : 53 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 154 . ( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 13 / 117 - 118 ) . ( 5 ) ينظر : الرازي 13 / 118 .