عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

366

اللباب في علوم الكتاب

فصل في الاستدلال بالآية احتجّ أهل السّنّة بهذه الآية الكريمة ، على أنّ اللّه - تعالى - زيّن للكافر الكفر ، وللمؤمن الإيمان ، وللعاصي المعصية ، وللمطيع الطّاعة . قال الكعبي : حمل الآية على هذا المعنى محال ؛ لأنه - تبارك وتعالى - هو الّذي يقول الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ [ محمد : 25 ] ويقول وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [ البقرة : 257 ] ثمّ إنهم ذكروا في الجواب وجوها : الأول : قال الجبّائي « 1 » : زينّا لكلّ أمة تقدّمت ما أمرناهم به من قول الحقّ . وقال الكعبي « 2 » : إنّه - تعالى - زيّن لهم ما ينبغي أن يعملوا ، وهم لا ينتهون . الثاني : قال الآخرون « 3 » : زينّا لكلّ أمّة من أمم الكفار سوء عملهم ، أي : جعلناهم وشأنهم ، وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . الثالث : أمهلنا الشّيطان حتى زيّن لهم . الرابع : زيّنّاه في زعمهم ، وهذه وجوه ضعيفة ؛ لأن الدّليل العقلي [ القاطع ] « 4 » دل على صحّة ما أشعر به ظاهر النّصّ ؛ لأنّا بينّا أن صدور الفعل عن العبد ، يتوقّف على حصول الدّاعي ، وأن تلك الدّاعية لا بدّ وأن تكون بتخليق اللّه - تعالى - ، ولا معنى لتلك الدّاعية إلا عمله واعتقاده ، أو ظنّه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك الدّاعية حصلت بفعل اللّه - تعالى - ، امتنع أن يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ، ولا حركة ، إلا إذا زيّن اللّه - تعالى - ذلك الفعل في قلبه ، وضميره ، واعتقاده ، وأيضا : أن الإنسان لا يختار الكفر والجهل ، مع العلم بكونه كفرا وجهلا ، والعلم بذلك ضروريّ ، بل إنما يختاره لاعتقاد كونه إيمانا ، وعلما ، وصدقا ، وحقّا ، فلو لا سابقة الجهل الأوّل ، لما اختار هذا الجهل الثاني . ثمّ إنه لما اختار ذلك الجهل السّابق ، فإن كان اختيار ذلك لسابق آخر ، لزم أن يستمرّ ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات ، وذلك محال ؛ فوجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أوّل يخلقه اللّه - تعالى - فيه ابتداء ، وهو بسبب ذلك الجهل ظنّ في الكفر كونه إيمانا ، وحقا ، وعلما ؛ فثبت إنه يستحيل من الكافر اختيار الكفر والجهل ، إلّا إذا زيّن اللّه - تعالى - ذلك الجهل في قلبه ؛ فثبت بهذين البرهانين القاطعين ، أن الّذي يدلّ عليه ظاهر هذه الآية ؛ هو الحقّ الذي لا محيد عنه ، فبطلت تأويلاتهم بأسرها ؛ لأنّ المصير إلى التّأويل إنّما يكون عند تعذّر حمل الكلام على ظاهره ، وأمّا لما قال الدّليل على أنّه يمكن العدول عن الظّاهر ، فسقطت هذه التّكليفات ، وأيضا : فقوله : « كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ » بعد قوله : « فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ »

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 116 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 116 . ( 4 ) سقط في أ .