عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

365

اللباب في علوم الكتاب

والثالث : أنّه منصوب على أنّه واقع موقع الحال المؤكدة ؛ لأنّ السّبّ لا يكون إلا عدوا . وقرأ الحسن « 1 » ، وأبو رجاء ، ويعقوب ، وقتادة ، وسلام ، وعبد اللّه بن زيد : « عدوا » بضم العين والدّال ، وتشديد الواو ، وهو مصدر أيضا ل « عدا » وانتصابه على ما تقدّم من الأوجه الثلاثة . وقرأ ابن كثير « 2 » في رواية - وهي قراءة أهل مكّة المشرفة « 3 » فيما نقله النّحّاس : « عدوّا » بفتح العين ، وضمّ الدّال ، وتشديد الواو ، بمعنى : أعداء ، ونصبه على الحال المؤكدة ، و « عدوّ » يجوز أن يقع خبرا عن الجمع ، قال - تعالى - : هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] ، وقال - تعالى - : إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً [ النساء : 101 ] ، ويقال : عدا يعدو عدوا ، وعدوّا ، وعدوانا وعداء ، و « بِغَيْرِ عِلْمٍ » حال ، أي : « يسبّونه غير عالمين » أي : « مصاحبين للجهل » ؛ لأنّه لو قدّر حقّ قدره ، لما أقدموا عليه . فصل في دحض شبهة للمعتزلة قال الجبّائي « 4 » : دلّت هذه الآية الكريمة ، على أنّه لا يجوز أن يفعل في الكفّار ما يزدادون به بعدا عن الحقّ ، إذ لو جاز أن يفعله ، لجاز أن يأمر به وكان لا ينهى عمّا ذكرنا ، ولا يأمر بالرّفق بهم عند الدّعاء ؛ كقوله لموسى ، ولهارون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] وذلك يبطل مذهب الجبرية . قالوا : وهذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ الأمر بالمعروف ، قد يقبح إذا أدّى إلى ارتكاب منكر ، والنّهي عن المنكر يقبح إذا أدّى إلى زيادة منكر ، وغلبة الظّنّ قائمة مقام العلم في هذا الباب ، وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدّين ؛ لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ؛ لأنّ وصف الأوثان بأنّها جمادات لا تنفع ولا تضرّ ، يكفي في القدح في إلهيّتها ، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها . قوله : « كذلك » : نعت لمصدر محذوف ، أي : زيّنّا لهؤلاء أعمالهم تزيينا ، مثل تزييننا لكلّ أمّة عملهم . وقيل : تقديره : مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين « زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ » وهو قريب من الأوّل ، والمعنى : زينّا لكل أمّة عملهم من الخير والشّر ، والطّاعة والمعصية ، ثم إلى ربّهم مرجعهم ، فينبّئهم ويجازيهم بما كانوا يعملون .

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون الموضع السابق النشر 2 / 261 المحتسب 1 / 226 إتحاف فضلاء 2 / 261 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 153 . ( 3 ) ينظر : إعراب القرآن 1 / 573 . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 115 .