عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

364

اللباب في علوم الكتاب

فإن قيل : شتم الأصنام من أصول الطّاعات ، فكيف يحسن أن ينهى عنه . فالجواب : أن هذا الشّتم وإن كان طاعة ، إلّا أنّه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم ، وجب الاحتراز منه ، والأمر ههنا كذلك ؛ لأنّ هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم اللّه ، وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السّفاهة ، وعلى تنفيرهم عن قبول الدّين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فلهذه المنكرات وقع النّهي عنه . قوله : « مِنْ دُونِ اللَّهِ » يجوز أن يتعلّق ب « يدعون » وأن يتعلّق بمحذوف على أنّه حال : إمّا من الموصول ، وإمّا من عائده المحذوف ، أي : يدعونهم حال كونهم مستقرّين من دون اللّه . قوله : « فيسبّوا » الظّاهر أنه منصوب على جواب النّهي بإضمار أن بعد الفاء ، أي : « لا تسبّوا آلهتهم ، فقد يترتّب عليه ما يكرهون من سبّ اللّه » ، ويجوز أن يكون مجزوما نسقا على فعل النّهي قبله ؛ كقولهم : « لا تمددها ، فتشقّها » وجاز وقوع « الّذين » - وإن كان مختصّا بالعقلاء - على الأصنام الّتي لا تعقل ، معاملة لها معاملة العقلاء ؛ كما أوقع عليها « من » في قوله : كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] . قال شهاب الدّين « 1 » : وفيه نظر ؛ لأنّ « الّذي » و « الّتي » وسائر الموصولات ما عدا « من » فإنّها تدخل على العقلاء وغيرهم ، تقول : أنت الرّجل الّذي قام ، ورأيت الفرس الّذي اشتريته ، قال : ويجوز أن يكون ذلك للتّغليب ، لأن المعبود من دون اللّه عقلاء ؛ ك « المسيح » و « عزير » و « الملائكة » وغيرهم ، [ فغلّب ] « 2 » العاقل ، وهذا بعيد ؛ لأنّ المسلمين لا يسبّون هؤلاء ويجوز أن يراد بالّذين يدعون : المشركين ، أي : لا تسبّوا الكفرة الّذين يدعون غير اللّه من دون اللّه ، وهو وجه واضح . قوله : « عدوا » الجمهور على فتح العين ، وسكون الدّال ، وتخفيف الواو « 3 » ، ونصبه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر ؛ لأنّه نوع من العامل فيه ؛ لأنّ السّبّ من جنس العدو . والثاني : أنّه مفعول من أجله ، أي : لأجل العدو ، وظاهر كلام الزّجّاج « 4 » : أنه خلط القولين ، فجعلهما قولا واحدا ، فإنه قال : « وعدوا » منصوب على المصدر ؛ لأن المعنى : فتعدوا عدوا . قال : « ويكون بإرادة اللّام » والمعنى : فيسبّوا اللّه للظّلم .

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 153 . ( 2 ) في أ : فعلنا . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 153 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 26 ، النشر 2 / 261 . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 308 .