عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
36
اللباب في علوم الكتاب
و « مِنْ بَعْدِهِمْ » متعلّق ب « أنشأنا » . قال أبو البقاء « 1 » : ولا يجوز أن يكون حالا من « قرن » ؛ لأنه ظرف زمان يعني : أنه لو تأخّر عن قرن لكان يتوهّم جواز كونه صفة له ، فلما قدّم عليه قد يوهم أن يكون حالا منه ؛ لكنه منع ذلك كونه ظرف زمان والزّمان لا يخبر به عن الحدث ولا يوصف ، وقد تقدّم أنه يصحّ ذلك بتأويل في « البقرة » عند قوله تعالى : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] و « آخرين » صفة ل « قرن » ؛ لأنه اسم جمع ك « قوم » و « رهط » ، فلذلك اعتبر معناه ، ومن قال : إنّه الزّمان قدّر مضافا ، أي : أهل قرن آخرين ، وقد تقدّم أنّه مرجوح ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 7 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) قال الكلبي « 2 » ومقاتل : نزلت هذه الآية في النّضر بن الحرث « 3 » ، وعبد اللّه بن أبي أميّة ، ونوفل بن خويلد قالوا : يا محمد لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند اللّه ، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون معه أنّه من عند اللّه ، وأنّك رسوله ، فأنزل اللّه تعالى : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ مكتوبا من عنده « فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ » أي : عاينوه ومسّوه بأيديهم ، وذكر اللّمس ولم يذكر المعاينة ، لأن اللّمس أبلغ في إيقاع العلم من الرؤية ، ولأنّ السّحر يجري على المرئي ، ولا يجري على الملموس « 4 » . قوله : « فِي قِرْطاسٍ » يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « كتاب » ، سواء أريد ب « كتاب » المصدر ، أم الشيء المكتوب ، ويجوز أن يتعلّق بنفس « كتابا » ، سواء أريد به المصدر ، أم الشّيء المكتوب ، ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله : [ الطويل ] 2113 - . . . . . . . . . . . . . . . صحيفة * أتتك من الحجّاج يتلى كتابها « 5 » ومن النّاس من جعل « كتابا » في الآية الكريمة مصدرا ؛ لأن نفس الكتب لا توصف بالإنزال إلّا بتجوّز بعيد ، ولكنهم قد قالوا هنا ويجوز أن يتعلّق « فِي قِرْطاسٍ » ب « نزّلنا » . والقرطاس : الصّحيفة يكتب فيها تكون من رقّ وكاغد « 6 » ، بكسر القاف وضمها ، والفصيح الكسر ، وقرىء « 7 » بالضّم شاذّا نقله أبو البقاء « 8 » - رحمه اللّه تعالى - .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 236 . ( 2 ) في أ : القرطبي وينظر : تفسير القرطبي 6 / 253 . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 6 / 253 ) عن الكلبي . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 82 . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) الكاغد : القرطاس معّرب . ينظر : ترتيب القاموس 4 / 62 ، اللسان ( كغد ) ( 3892 ) . ( 7 ) ينظر : الشواذ ص 42 . ( 8 ) ينظر : الإملاء 1 / 336 .