عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

353

اللباب في علوم الكتاب

أحدهما : الفصل بالمفعول . والثاني : كون التأنيث مجازيّا . والبصائر : جمع « بصيرة » وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء ومنه قيل للدّم الدال على القتيل « مبصرة » والبصيرة مختصّة بالقلب [ كالبصر للعين ، هذا قول بعضهم . وقال الراغب « 1 » : « ويقال لقوة القلب المدركة : « بصيرة وبصر » ] « 2 » قال تبارك وتعالى : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [ القيامة : 14 ] وقال تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] وتقدّم تحقيق هذا في أوائل سورة « البقرة » . وأراد بالبصائر الآيات المتقدمة ، وهي في نفسها ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلائها توجب البصائر لمن عرفها ، ووقف على حقائقها ، فلما كانت سببا لحصول البصائر سميت بالبصائر . قوله : « مِنْ رَبِّكُمْ » يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله ، وأن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة لما قبله ، أي : بصائر كائنة من ربكم و « من » في الوجهين لابتداء الغاية مجازا . قوله : « فَمَنْ أَبْصَرَ » يجوز أن تكون شرطيّة ، وأن تكون موصولة فالفاء جواب الشّرط على الأوّل ، ومزيدة في الخبر لشبه الموصول باسم الشرط على الثّاني ، ولا بدّ قبل لام الجرّ من محذوف يصحّ به الكلام ، والتقدير : فالإبصار لنفسه ، ومن عمي فالعمى عليها ، فالإبصار والعمى مبتدآن ، والجارّ بعدهما هو الخبر ، والفاء داخلة على هذه الجملة الواقعة جوابا أو خبرا ، وإنما حذف مبتدؤها للعلم به ، وقدّر الزجاج « 3 » قريبا من هذا ، فقال : « فلنفسه نفع ذلك ومن عمي فعليها ضرر ذلك » . وقال الزمخشري « 4 » : « فمن أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإياها نفع ، ومن عمى فعليها ، أي : فعلى نفسه عمى ، وإياها ضر » . قال أبو حيّان « 5 » : وما قدّرناه من المصدر أولى ، وهو : فالإبصار والعمى لوجهين : أحدهما : أن المحذوف يكون مفردا لا جملة ، والجار يكون عمدة لا فضلة ، وفي تقديره هو المحذوف جملة ، والجار والمجرور فضلة . والثاني : وهو أقوى ، وذلك أنه لو كان التقدير فعلا لم تدخل الفاء سواء كانت شرطيّة أم موصولة مشبهة بالشرط ؛ لأن الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامدا ، ووقع جواب الشّرط أو خبر مبتدأ مشبّه بالشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط ، ولا في خبر

--> ( 1 ) ينظر : المفردات 49 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 306 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 55 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 199 .