عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

354

اللباب في علوم الكتاب

المبتدأ لو قلت : « من جاءني فأكرمته » لم يجز بخلاف تقديرنا ، فإنه لا بدّ فيه من الفاء ، ولا يجوز حذفها إلا في الشعر . قال شهاب الدين « 1 » : « وهذا التقدير الذي قدّره الزمخشري سبقه إليه الكلبيّ ، فإنه قال : فمن أبصر صدّق وآمن بمحمد عليه الصلاة والسلام فلنفسه عمل ومن عمي فلم يصدّق فعلى نفسه جنى العذاب » « 2 » وقوله : إن الفاء لا تدخل فيما ذكر قد ينازع فيه ، وإذا كانوا فيما يصلح أن يكون جوابا صريحا ، ويظهر فيه أثر الجازم كالمضارع يجوز فيه دخول الفاء نحو : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [ البقرة : 95 ] فالماضي بدخولها أولى وأحرى . فصل في بيان عود المنافع للبشر قال القاضي : إنه - تعالى - بيّن لنا أن المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى اللّه تبارك وتعالى ، وأيضا إن المرء بعدوله عن النّظر يضرّ بنفسه ، ولم يؤت إلّا من قبله لا من قبل ربّه ، وأيضا إنه متمكّن من الأمرين ، فلذلك قال : « فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها » قال : وهذا يبطل قول المجبرة [ في أنه - تعالى - يكلف بلا قدرة ] وجوابه المعارضة بسؤال الداعي . قوله تعالى : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي : برقيب أحصي عليكم أعمالكم ، إنما أنا رسوله أبلغكم رسالات ربي ، وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . فصل في معنى الآية قال المفسرون : هذا كان قبل الأمر بالقتال ، فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم ، ومنهم من يقول : آية القتال ناسخة لهذه الآية الكريمة ، وهو بعيد ؛ لأن الأصل عدم النّسخ . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 105 ] وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) لما شرع في إثبات النّبوّات بدأ بحكاية شبهات المنكرين لنبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم . الشّبهة الأولى : قولهم : يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ، وتنظّمه من عند نفسك ، ثم تقرؤه علينا ، وتزعم أنه وحي نزّل عليك من عند اللّه تعالى . و « الكاف » في محلّ نصب نعت لمصدر محذوف ، فقدّره الزجاج : ونصرّف الآيات مثل ما صرّفناها فيما تلي عليكم ، وقدّره غيره : نصرّف الآيات في غير هذه السّورة

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 149 . ( 2 ) ذكر الرازي في تفسيره 13 / 110 .