عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

344

اللباب في علوم الكتاب

الثالث : أن الإله الواحد لا بد وأن يكون [ كاملا ] « 1 » في صفة الإلهية ، فلو فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركا للأوّل في جميع صفات الكمال أو لا ، فإن كان مشاركا للأوّل في جميع صفات الكمال ، فلا بد وأن يكون متميزا بأمرها ، إذ لو لم يحصل الامتياز [ بأمر من الأمور لم يحصل التعدّد والاثنينية ، وإذ حصل الامتياز بأمر ما ، فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون ، فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به ] « 2 » لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيه بينهما وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال ، فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نقصان ، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم ، وأن الزائد يجب نفيه . تمسّك العلماء - رضي اللّه عنهم - بقوله تبارك وتعالى « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » على أنه - تبارك وتعالى - هو الخالق لأعمال العباد قالوا : لأن أعمال العباد أشياء ، واللّه خالق لكل شيء بحكم هذه الآية ، فوجب كونه خالقا لها . قالت المعتزلة « 3 » : هذا اللّفظ وإن كان عاما إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدلّ على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم . أحدها : أنه - تبارك وتعالى - قال : « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ » ولو دخلت أعمال العباد تحته لصار تقدير الآية الكريمة : إنا خلقنا أعمالكم ، فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى ، وذلك فاسد . وثانيها : أنه - تبارك وتعالى - إنما [ قال : ] « 4 » « خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » في معرض المدح والثناء على نفسه ، فلو دخل تحت أعمال العباد لخرج عن كونه مدحا ؛ لأنه لا يليق به تعالى أن يمتدح بخلق الزنا واللواط ، والسرقة والكفر . وثالثها : أنه - تبارك وتعالى - قال بعد هذه الآية : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وهذا تصريح بكون العبد مستقلا بالفعل والترك ، وأنه لا مانع له ألبتّة من الفعل والترك ، وذلك يدلّ على أن فعل العبد غير مخلوق للّه تعالى [ إذ لو كان مخلوقا للّه - تعالى - لما ] « 5 » كان العبد مستقلا به ؛ لأنه إذا أوجده اللّه تعالى امتنع من العبد دفعه ، وإذا لم يوجده اللّه - تعالى - امتنع من العبد تحصيله ، وإذا دلّت الآية على كون العبد مستقلا بالفعل والترك ، وامتنع أن يقال : فعل العبد مخلوق للّه تعالى ثبت أن قوله تعالى : فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها يوجب تخصيص ذلك العموم .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 100 . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في أ .