عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
345
اللباب في علوم الكتاب
والجواب : أن الدليل العقليّ قد ساعد على صحّة ظاهر هذه الآية الكريمة ؛ لأن الفعل موقوف على الداعي ، وخالق الداعي هو اللّه - تعالى - ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل ، وذلك [ يقتضي ] « 1 » كونه - تعالى - خالق كل شيء فاعبدوه ، ويدلّ على أن كونه خالقا لكل الأشياء سبب للأمر [ بالعبادة ] « 2 » لأنه رتب الأمر بالعبادة على كونه خالقا للأشياء بفاء التعقيب ، وترتيب الحكم مشعر بالسّببيّة . فصل في دحض شبهة للمعتزلة في الصفات وخلق القرآن احتجّ كثير من « 3 » المعتزلة بقوله تبارك وتعالى : خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ على نفي الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقا ، أما نفي الصّفات ، فإنهم قالوا : لو كان - تعالى - عالما بالعلم قادرا بالقدرة لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال : إنهما قديمان أو محدثان ، والأوّل باطل ؛ لأن عموم قوله : خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ يقتضي كونه - تبارك وتعالى - خالقا لكلّ الأشياء وخصّصنا هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه ، فيبقى على عمومه فيما عداه . وإن قلنا بحدوث علم اللّه تعالى وقدرته ، فهو باطل بالإجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر ، وقدرة أخرى ، وذلك محال . أمّا تمسّكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا فقالوا : لأن القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق للّه - تبارك وتعالى - بحكم هذا العموم وأقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التّخصيص في ذات اللّه - تبارك وتعالى - إلّا أن العام المخصوص حجّة في غير محلّ التخصيص . وجوابه : أن تخصيص هذا العموم بالدّلائل الدّالّة على أن كلام اللّه - تبارك وتعالى - قديم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 103 ] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قال سعيد بن المسيّب : لا تحيط به الأبصار . وقال عطاء : كلّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به . وقال ابن عبّاس : لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة « 4 » . قوله : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أي : لا يخفى عليه شيء ولا يفوته وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . قال ابن عباس : اللّطيف بأوليائه ، الخبير بهم « 5 » . وقال الأزهري « 6 » : اللّطيف الرفيق بعباده .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : بالعداوة . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 100 . ( 4 ) ذكره القرطبي في تفسيره 7 / 307 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) ينظر : تهذيب اللغة 13 / 347 .