عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
335
اللباب في علوم الكتاب
قال شهاب الدين « 1 » - رحمه اللّه تعالى - هذا القول المنسوب للزمخشري ، ومن ذكر معه سبقهم إليه الفرّاء « 2 » وأبو إسحاق « 3 » ، فإنهما أجازا أن يكونا مفعولين قدم ثانيهما على الأوّل ، وأجازا أن يكون « الجنّ » بدلا من « الشركاء » ومفسرا للشركاء هذا نصّ عبارتهم ، وهو معنى صحيح أعني كون البدل مفسرا ، فلا معنى لرد هذا القول ، وأيضا فقد ردّ على الزمخشري « 4 » عند قوله تعالى : إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا [ المائدة : 117 ] فإنه لا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه ، قال : « ألا ترى إلى تجويز النحويين « زيد مررت به أبي عبد اللّه » ولو قلت : « زيد مررت بأبي عبد اللّه » لم يجز إلّا على رأي الأخفش » ، وقد سبق هذا في « المائدة » فقد قرّر هو أنه لا يلزم حلول البدل محلّ المبدل منه ، فكيف يردّ به هنا ؟ الثالث : أن يكون « شركاء » هو المفعول الأوّل ، و « الجن » هو المفعول الثاني قاله الحوفي ، وهذا لا يصحّ لما عرفت أنّ الأوّل في هذا الباب مبتدأ في الأصل ، والثاني خبر في الأصل ، وتقرّر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة مبتدأ ، والنكرة خبرا من غير عكس ، إلا في ضرورة تقدّم التّنبيه على الوارد منها . الرابع : أن يكون « شُرَكاءَ الْجِنَّ » مفعولين على ما تقدّم بيانه ، و « للّه » متعلق بمحذوف على أنه حال من « شركاء » ؛ لأنه لو تأخّر عنها لجاز أن يكون صفة لها قاله أبو البقاء « 5 » ، وهذا لا يصحّ ؛ لأنه يصير المعنى : جعلوهم شركاء في حال كونهم للّه ، أي : مملوكين ، وهذه حال لازمة لا تنفكّ ، ولا يجوز أن يقال : إنها غير منتقلة ؛ لأنها مؤكدة ؛ إذ لا تأكيد فيها هنا ، وأيضا فإن فيه تهيئة العامل في معمول وقطعه عنه ، فإن « شركاء » يطلب هذا الجارّ ليعمل فيه ، والمعنى منصبّ على ذلك . الخامس : أن يكون « الجنّ » منصوبا بفعل مضمر جواب لسؤال مقدر ، كأن سائلا سأل ، فقال بعد قوله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ : من جعلوا للّه شركاء ؟ فقيل : الجنّ ، أي : جعلوا الجن . نقله أبو « 6 » حيّان عن شيخه أبي جعفر بن الزبير ، وجعله أحسن مما تقدم ؛ قال : « ويؤيد ذلك قراءة أبي حيوة « 7 » ، ويزيد بن قطيب « الجنّ » رفعا على تقدير : هم الجنّ جوابا لمن قال : جعلوا للّه شركاء ؟ فقيل : هم الجنّ ، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه ، والاستنقاص بمن جعلوه شريكا للّه تعالى » .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 144 - 145 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 348 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 305 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 52 . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 255 . ( 6 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 196 . ( 7 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 196 ، الدر المصون 3 / 145 ، والمحرر الوجيز 2 / 329 .