عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
286
اللباب في علوم الكتاب
« يؤمنون » حالا من الموصول ، وليست حالا مؤكدة ؛ لما تقدم من تسويغ وقوعه خبرا ، وهو اختلاف المتعلّق ، و « الهاء » في « به » تعود على القرآن ، أو على الرسول . فصل في معنى الآية ذكر العلماء في [ معنى ] « 1 » قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي : الذي يؤمن بالآخرة ، وهو الذي يؤمن بالوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، ومن كان كذلك فإنه تعظم « 2 » رغبته في تحصيل الثواب ، ورهبته عن حلول العقاب ، ويبالغ في النظر في دلائل التوحيد والنبوة ، فيصل إلى العلم والإيمان « 3 » . وقال بعضهم : إن دين محمد عليه الصلاة والسلام [ مبني على الإيمان بالبعث والقيامة ، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين ] « 4 » . قوله : وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ حال ، وقدّم « عَلى صَلاتِهِمْ » لأجل الفاصلة ، وذكر أبو علي في « الروضة » ، أنّ أبا بكر « 5 » قرأ « على صلواتهم » جمعا والمراد المحافظة على الصلوات الخمس . فإن قيل : الإيمان بالآخرة يحمل على كلّ الطاعات ، فما الفائدة في تخصيص الصّلاة ؟ فالجواب : أن المقصود التّنبيه على أن الصّلاة أشرف العبادات بعد الإيمان باللّه تعالى ، ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة ، إلّا على الصلاة ، كما قال تبارك وتعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] أي : صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلّا على ترك الصلاة ، قال عليه الصلاة والسلام : « من ترك الصّلاة متعمّدا فقد كفر » . فلما اختصّت الصلاة بهذا النوع من التشريف خصها اللّه - تبارك وتعالى - بالذّكر هاهنا . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 93 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( 93 ) لما بيّن كون القرآن كتابا نازلا من عند اللّه ، وبيّن شرفه ورفعته ذكر بعده ما يدلّ
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : متعظم . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 67 . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 22 ، البحر المحيط 4 / 183 .