عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

281

اللباب في علوم الكتاب

مستأنف ، وأن يكون حالا ، وإنما أتى به مخاطبا لأجل الالتفات ، وأما على قراءة تاء الخطاب فهو حال ، ومن اشترط « قد » في الماضي الواقع حالا أضمرها هنا ، أي : وقد علمتم ما لم تعلموا . والأكثرون على أن الخطاب هذا لليهود ؛ يقول : علمتم على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم [ فضيعوه ولم ينتفعوا به . وقال مجاهد : هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علّمهم على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم ] « 1 » . فإن قيل : إن كل كتاب لا بد وأن يوضع في القراطيس ، فإذا كان الأمر كذلك في كل الكتب ، فما السبب في أن اللّه - تبارك وتعالى - حكى هذا المعنى في معرض الذّمّ لهم ؟ فالجواب : أن الذّمّ لم يقع على هذا المعنى فقط ، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس ، وفرّقوه وبعّضوه ، لا جرم قدروا على إبداء البعض وإخفاء البعض ، وهو الذي فيه صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : كيف يقدرون على ذلك ، مع أن التوراة كتاب وصل إلى أهل المشرق والمغرب ، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه ، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه ، كما أن الرّجل في هذا الزمان إذا أراد إدخال الزّيادة والنقصان في القرآن لم يقدر على ذلك ، فكذا القول في التّوراة ؟ فالجواب أنا ذكرنا في سورة « البقرة » أن المراد من التّحريف تفسير آيات التوراة بالوجوه الفاسدة الباطلة ، كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات القرآن « 2 » . فإن قيل : هب أنه حصل في التوراة آيات دالّة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلّا أنها قليلة ولم يخفوا من التوراة إلّا تلك الآيات ، فكيف قال : « ويخفون كثيرا » . فالجواب أن القوم [ كانوا ] « 3 » يخفون الآيات الدّالّة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فكذلك يخفون الآيات المشتملة على [ آيات الأحكام ألا ترى أنهم حاولوا ] « 4 » إخفاء الآية الدالة على رجم [ الزاني ] « 5 » المحصن . قوله : « قُلِ اللَّهُ » لفظ الجلالة يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن يكون فاعلا لفعل محذوف أي : قل أنزله ، وهذا هو الصحيح للتصريح بالفعل في قوله : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ [ الزخرف : 9 ] . والثاني : أنه مبتدأ ، والخبر محذوف ، تقديره : واللّه أنزله ، ووجهه مناسبة مطابقة الجواب للسؤال ، وذلك أن جملة السؤال اسمية ، فلتكن جملة الجواب كذلك .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 65 . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : أحكام أخر كما أخفوا الآية الدالة . ( 5 ) سقط في أ .