عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
282
اللباب في علوم الكتاب
ومعنى الآية الكريمة : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فإن أجابوك وإلّا فقل فأنت اللّه الذي أنزلت ، أي أن العقل السليم والطّبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد قول صاحبه بالمعجزات القاهرة والدلالات الباهرة مثل معجزات موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون إلا من اللّه - تعالى - فلما صار هذا المعنى ظاهرا لظهور الحجّة القاطعة ، لا جرم قال تبارك وتعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام : قل لهم المنزّل لذلك الكتاب هو اللّه ، ونظيره قوله تعالى : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ [ الأنعام : 19 ] كما أن الرجل الذي يريد إقامة الدلالة على الصّانع يقول : من الذي أحدث الحياة بعد عدمها ، ومن الذي أحدث العقل بعد الجهالة ومن الذي أودع الحدقة القوّة الباصرة ، وفي الصّماخ القوّة السّامعة ، ثم إن هذا القائل بعينه يقول : اللّه ، والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها ، فسواء أقر الخصم به أو لم يقر فالمقصود حاصل هكذا هاهنا . قوله : ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ يجوز أن يكون « فِي خَوْضِهِمْ » متعلقا ب « ذرهم » ، وأن يتعلق ب « يلعبون » ، وأن يكون حالا من مفعول « ذرهم » وأن يكون حالا من فاعل « يلعبون » [ فهذه أربعة أوجه ] « 1 » وأما « يلعبون » فيجوز أن يكون حالا من مفعول « ذرهم » . ومن منع أن تتعدّد الحال لواحد لم يجز حينئذ أن يكون « فِي خَوْضِهِمْ » حالا من مفعول « ذرهم » ، بل يجعله إما متعلقا ب « ذرهم » ، كما تقدّم أو ب « يلعبون » ، أو حالا من فاعله . ويجوز أن يكون « يلعبون » حالا من ضمير « خوضهم » وجاز ذلك لأنه في قوّة الفاعل ؛ لأن المصدر مضاف لفاعله ؛ لأن التقدير : « ذرهم يخوضون لاعبين » وأن يكون حالا من الضمير في « خوضهم » إذا جعلناه حالا ؛ لأنه يتضمّن معنى الاستقرار ، فتكون حالا متداخلة . فصل في معنى الآية معنى الكلام إذا أقمت الحجّة عليهم ، وبلغت في الإعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتّة ، ونظيره قوله تعالى : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 48 ] . قال بعضهم « 2 » : هذه الآية منسوخة بآية السّيف ، وهذا بعيد ؛ لأن قوله : « ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ » مذكور لأجل التهديد ، ولا ينافي ذلك حصول المقاتلة ، فلم يكن ورود الآية الكريمة الدّالّة على وجوب المقاتلة رافعا لمدلول هذه الآية ، فلم يحصل النّسخ . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 92 ] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) قوله : « هذا » إشارة إلى القرآن ، أي : القرآن كتاب مبارك « أنزلناه مصدق الذي بين يديه » .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 65 .