عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
279
اللباب في علوم الكتاب
واعلم أن من يقول : إن الفارق بين الصّورتين يمنع من كون النقض مبطلا ضعيف إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجّة اللّه في هذه الآية الكريمة ؛ لأن اليهود كانوا يقولون : معجزات موسى عليه الصلاة والسلام أظهر وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هاهنا ، ولو كان هذا الفرق [ مقبولا لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا يجوز القول بسقوطها ، علمنا أن النقض ] « 1 » على الإطلاق مبطل . قوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ . وصف الكتاب بصفتين : أحدهما : قوله : « نورا » وهو منصوب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه « الهاء » في « به » ، فالعامل فيها « جاء » . والثاني : أنه « الكتاب » ، فالعامل فيه « أنزل » ، و « للناس » صفة ل « هدى » وسمّاه « نورا » تشبيها له بالنّور الذي يبين به الطريق . فإن قيل : فعلى هذا لا يبقى بين كونه نورا ، وبين كونه هدى للناس فرق ، فعطف أحدهما على الآخر يوجب التّغاير . فالجواب : أن للنور صفتان : أحدها : كونه في نفسه ظاهرا جليّا . والثانية : كونه بحيث يكون سببا لظهور غيره ، فالمراد من كونه « نُوراً وَهُدىً » هذان الأمران وقد وصف القرآن أيضا بهذين الوصفين ، فقال : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ الشورى : 52 ] . قوله : « تجعلونه » قرأ ابن كثير « 2 » وابن عمرو بياء الغيبة ، وكذلك « يبدونها ويخفون كثيرا » والباقون « 3 » بتاء الخطاب في الثلاثة الأفعال ، فأما الغيبة فللحمل على ما تقدم من الغيبة في قوله تعالى : وَما قَدَرُوا إلى آخره . وعلى هذا فيكون في قوله : « وعلّمتم » تأويلان : أحدهما : أنه خطاب لهم أيضا وإنما جاء به على طريق الالتفات . والثاني : أنه خطاب إلى المؤمنين اعترض به بين الأمر بقوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ وبين قوله : « قُلِ اللَّهُ » .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 119 ، البحر المحيط 4 / 181 ، الحجة لأبي زرعة ص ( 260 - 261 ) السبعة 162 - 263 ، النشر 2 / 260 ، التبيان 1 / 518 - 519 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 119 ، البحر المحيط 4 / 181 ، الحجة لأبي زرعة ص ( 260 - 261 ) السبعة 162 - 263 ، النشر 2 / 260 ، التبيان 1 / 518 - 519 .