عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
278
اللباب في علوم الكتاب
وتعالى - إنزال القرآن الباقي على وجه [ الدهر ] « 1 » في إبطاله . والقول الثاني : أن القائل : ما أنزل اللّه على بشر من شيء من كفّار قريش ، وفيه سؤال : هو أن كفّار قريش كانوا ينكرون نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام ، فكيف يمكن إلزامهم بنبوّة موسى ، وأيضا فما بعد هذه الآية لا يليق بكفّار قريش ، وإنما يليق باليهود ، وهو قوله : تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ وهذه الأحوال لا تليق إلا باليهود وهو قول من يقول : إن أول الآية خطاب للكفار ، وآخرها خطاب مع اليهود « 2 » ، وهذا فاسد ، لأنه يوجب تفكيك نظم الآية ، وفساد تركيبها ، وذلك لا يليق بكلامنا ، فضلا عن كلام ربّ العالمين ، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول « 3 » . أما السؤال الأول : فيمكن دفعه بأن كفّار قريش كانوا مختلطين باليهود والنصارى ، وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التّواتر ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى - عليه الصلاة والسلام - مثل : « انقلاب العصى ثعبانا » و « فلق البحر » و « إظلال الجبل » وغيرها ، والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات [ وكانوا ] يقولون : لو جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنّا بك ، فكان مجموع هذه الكلمات جاريا مجرى ما يوجب عليهم الاعتراض ، والاعتراف بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان الأمر كذلك [ لم يبعد إيراد ] « 4 » نبوة موسى إلزاما عليهم في قولهم : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . وأما الثاني : فجوابه أن كفار قريش ، وأهل الكتاب لما اشتركوا في إنكار بنوة محمد صلى اللّه عليه وسلم لم يبعد أن يكون الكلام بعضه خطابا مع كفار « مكة » وبقيّته خطابا مع اليهود والنصارى . فصل فيما يستفاد من الآية دلّت هذه الآية الكريمة على أحكام : منها : أن النّكرة في موضع النّفي تفيد العموم ، فإن قوله : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ نكرة في موضع النفي ، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تبارك وتعالى : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى إبطالا له ونقضا عليه ، وكان استدلالا فاسدا . ومنها : أن النّقض يقدح في صحّة الكلام ؛ لأنه - تبارك وتعالى - نقض قولهم : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بقوله تعالى : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى فلو لم يدلّ النّقض على فساد الكلام لما كانت هذه الحجّة مفيدة لهذا المطلوب « 5 » .
--> ( 1 ) في أ : ألزم . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 62 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : الرازي 13 / 63 .