عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
264
اللباب في علوم الكتاب
فأوّلها : قوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ أي : نحن آتيناه تلك الحجّة ، وهديناه إليها ، وأفقنا عقله على حقيقتها ، وذكر نفسه باللفظ الدّالّ على العظمة [ وذلك يوجب ] أن تكون تلك النعمة عظيمة . وثانيها : أنه - تعالى - خصّه بالرّفعة إلى الدّرجات العالية ، وهو قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ . وثالثها : أنه - تعالى - جعله عزيزا في الدّنيا ؛ لأنه جعل للأنبياء والدا ، والرّسل من نسله ومن ذرّيّته ، وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة فقال : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ لصلبه و « يعقوب » بعده من إسحاق . فإن قيل : لم لم يذكر إسماعيل - عليه الصّلاة والسّلام - مع إسحاق ، بل أخّر ذكره [ عنه ] « 1 » بدرجات ؟ فالجواب : أن المقصود بالذّكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل ، وهم بأسرهم أولاد إسحاق . وأمّا إسماعيل فإنه لم يخرج من صلبه نبيّ إلّا محمد عليه الصّلاة والسّلام ، [ ولا يجوز ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام - في هذا المقام ؛ لأنه تعالى أمر محمدا ] « 2 » أن يحتجّ على العرب في نفي الشّرك باللّه بأنّ إبراهيم لمّا ترك الشرك وأصرّ على التّوحيد رزقه اللّه النّعم العظيمة في الدنيا بأن آتاه أولادا كانوا أنبياء وملوكا ، فإذا كان المحتج بهذه الحجّة هو محمد - عليه الصّلاة والسّلام - امتنع أن يذكر في هذا المعرض . فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق . قوله : وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ فالمراد أنّه - تعالى - جعل إبراهيم في أشرف الأنساب ؛ لأنه رزقه أولادا مثل إسحاق ويعقوب ، وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل « نوح » و « شيث » و « إدريس » ، والمقصود بيان كرامة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بحسب الأولاد والآباء . قوله : « مِنْ ذُرِّيَّتِهِ » « الهاء » فيها وجهان : أحدهما : أنها تعود على نوح ؛ لأنه أقرب مذكور ، ولأنّ إبراهيم ومن بعده من الأنبياء كلهم منسوبون إليه ، [ ولأنه ذكر من جملتهم لوطا ، وهو كان ابن أخي إبراهيم أو أخته ، ذكره مكّي وغيره ، وما كان من ذرّيّته ، بل كان من ذرّيّة نوح عليه السلام ، وكان رسولا في زمن إبراهيم . وأيضا : يونس - عليه الصّلاة والسّلام - ما كان من ذرّيّة إبراهيم .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .