عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
251
اللباب في علوم الكتاب
به ، فلما أدركوه استنطقوه ، فحوّل اللّه نطقه لسانا عبرانيا ، وذلك حين عبر النّهر ، فسميت العبرانية لذلك . وأما السّريانيّة فذكر ابن سلام أنها سميت بذلك ؛ لأن اللّه - سبحانه وتعالى - حين علم آدم الأسماء علّمه سرّا من الملائكة ، وأنطقه بها حينئذ ، فسمّيت السريانية لذلك ، واللّه أعلم . قوله : « هذا أَكْبَرُ » أي : أكبر الكواكب جرما ، وأقواها قوة ، فكان أولى بالإلهية . قوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ « ما » مصدرية ، أي : بريء من إشراككم ، أو موصولة أي : من الذين يشركونه مع اللّه في عبادته ، فحذف العائد ، ويجوز أن تكون الموصوفة والعائد محذوف أيضا ، إلا أنّ حذف عائد الصّفة أقل من حذف عائد الصّلة ، فالجملة بعدها لا محلّ لها على القولين الأوّلين ، ومحلها الجر على الثالث ، ومعنى الكلام أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للرّبوبيّة والإلهية ، لا جرم تبرّأ من الشّرك . فإن قيل : هب أن الدليل دلّ على أن الكواكب لا تصلح للربوبية ، لكن لا يلزم من هذا نفي الشرك مطلقا ؟ فالجواب : أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشّركاء ، وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة ، فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أربابا ، وثبت بالاتفاق نفي غيرها ، لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 79 ] إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) المراد : وجهت عبادتي وطاعتي لعبادته ورضاه ، كأنهم نفوا بذلك وهم من يتوهّم الجهة ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره ، فإنه يتوجّه بوجهه إليه ، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة . وفتح الباء « 2 » من وجهي نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، والباقون تركوا « 3 » هذا الفتح . قوله : « لِلَّذِي فَطَرَ » قدروا قبله مضافا ؛ أي : وجهت وجهي لعبادته كما تقدم و « حنيفا » حال من فاعل « وجّهت » . وقد تقدّم تفسير هذه الألفاظ ، و « ما » يحتمل أن تكون الحجازية ، وأن تكون التميمية . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 80 ] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) ( 1 ) سقط في أ .
--> ( 2 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 20 . ( 3 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 20 .