عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

228

اللباب في علوم الكتاب

الثالث : أنه نعت للهاء في « له » ، وهذا إنما يتمشى على رأي الكسائي حيث يجيز نعت المضمر بالغائب ، وهو ضعيف عند البصريين والكوفيين غير الكسائي . فصل في بيان المقصود من ذكر أحوال البعث اعلم أنه - تعالى - ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرّر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادرا على الممكنات . والثاني : كونه عالما بكل المعلومات ؛ لأن بتقدير : ألّا يكون قادرا على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ، وردّ الأرواح إلى الأجساد ، وبتقدير ألّا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصحّ ذلك فيه ؛ لأنه ربما اشتبه المطيع بالعاصي والمؤمن بالكافر ، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة ، أما إذا ثبت حصول هذين الصفتين كمل الغرض ، فقوله : وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يدل على كمال القدرة ، وقوله عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يدلّ على كمال العلم ، فلزم بمجموعهما أن يكون قوله حقا وحكمة وصدقا ، وقضاياه مبرّأة عن الجور والعبث ، ثم قال تعالى : وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ والحكيم : هو المصيب في أفعاله ، والخبير : هو العالم بحقائقها من غير اشتباه . واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 74 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) اعلم أنه - تعالى - يحتجّ كثيرا على مشركي العرب بأحوال إبراهيم - عليه السلام - وذلك لأنه رجل يعترف بفضله جميع الطوائف والملل ، فالمشركون كانوا معترفين بفضله ، متشرّفين بأنهم من أولاده ، وسائر الملل تعظمه ، فلهذا السبب ذكر اللّه حاله في معرض الاحتجاج ، والسبب في حصول هذه المرتبة العظيمة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنّه سلّم قلبه للعرفان ، ولسانه للبرهان ، وبدنه للنيران ، وولده للقربان ، وماله للضّيفان . أما تسليم قلبه للعرفان ، فهو قوله : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] . وأما تسليم لسانه للبرهان : فمناظرته مع نمرود ، حيث قال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] ومناظرته مع الكفار بالفعل حين كسّر أصنامهم ، وجعلها جذاذا ، وقوله بعد ذلك : أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ [ الأنبياء : 66 ] . وأما تسليم بدنه للنيران : فحين ألقي فيها . وأما تسليم ولده للقربان : فحين أمر بذبح ولد ه « فتلّه للجبين » . وأما تسليم ماله للضيفان : فمشهورة . قوله : « وإذ قال » « إذ » منصوب بفعل محذوف ، أي : اذكر ، وهو معطوف على