عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
221
اللباب في علوم الكتاب
ويدلّ على أنه أراد بقوله : « أن نسلم » في موضع المفعول الثاني قوله بعد ذلك : ويجوز أن يكون التقدير : وأمرنا لأن نسلم ، ولأن أقيموا ، أي للإسلام ولإقامة الصلاة ، وهذا قول الزّجّاج ، فلو لم يكن هذا القول مغايرا لقوله الأوّل لاتّحد قولاه ، وذلك خلف . قال الزّجّاج « 1 » : « أَنْ أَقِيمُوا » عطف على قوله : « لنسلم » ، تقديره : وأمرنا لأن نسلم ، وأن أقيموا . قال ابن عطية « 2 » : واللّفظ يمانعه ، لأن « نسلم » معرب ، و « أقيموا » مبني ، وعطف المبني على المعرب لا يجوز ، لأن العطف يقتضي التّشريك في العامل . قال أبو حيان « 3 » : وما ذكر من أنه لا يعطف المبني على المعرب ليس كما ذكر ، بل يجوز ذلك نحو : « قام زيد وهذا » ، وقال تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [ هود : 98 ] غاية ما في الباب أن العامل يؤثّر في المعرب ، ولا يؤثّر في المبني ، وتقول : « إن قام زيد ويقصدني أكرمه » ، ف « إن » لم تؤثّر في « قام » ؛ لأنه مبني ، وأثرت في « يقصدني » ؛ لأنه معرب ثم قال ابن عطية « 4 » : « اللهم إلا أن تجعل العطف في « إن » وحدها ، وذلك قلق ، وإنما يتخرّج على أن يقدر قوله : « وَأَنْ أَقِيمُوا » بمعنى « ولنقم » ، ثم خرجت بلفظ الأمر لما في ذلك من جزالة اللفظ ، فجاز العطف على أن يلغى حكم اللفظ ، ويعول على المعنى ، ويشبه هذا من جهة ما حكاه يونس عن العرب : ادخلوا الأوّل فالأوّل ، وإلا فلا يجوز إلّا الأول فالأوّل بالنصب » . قال أبو حيّان « 5 » : وهذا الذي استدركه بقوله : « اللهم إلا » إلى آخره هو الذي أراده الزّجّاج بعينه ، وهو « أَنْ أَقِيمُوا » معطوف عل ى « أن نسلم » ، وأن كليهما علّة للمأمور به المحذوف ، وإنما قلق عند ابن عطية ؛ لأنه أراد بقاء « أَنْ أَقِيمُوا » على معناها من موضوع الأمر ، وليس كذلك ؛ لأن « أن » إذا دخلت على فعل الأمر ، وكانت المصدريّة انسبك منها ومن الأمر مصدر ، وإذا انسبك منهما مصدر زال معنى الأمر ، وقد أجاز النحويون سيبويه وغيره أن توصل « أن » المصدرية الناصبة للمضارع بالماضي والأمر . قال سيبويه « 6 » : وتقول : كتبت إليه بأن قم ، أي بالقيام ، فإذا كان الحكم كذا كان قوله : « لنسلم » و « أَنْ أَقِيمُوا » في تقدير الإسلام ولإقامة الصلاة ، وأما تشبيه ابن عطيّة له بقوله : ادخلوا الأوّل فالأول : بالرفع ، فليس بتشبيه ؛ لأن ادخلوا لا يمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلّط على ما بعده ، بخلاف « أن » فإنها توصل بالأمر ، فإذن لا شبه بينهما انتهى .
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 228 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 308 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 164 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 308 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 164 . ( 6 ) ينظر : الكتاب 1 / 479 .