عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
222
اللباب في علوم الكتاب
أما قول أبي حيّان « 1 » : « وإنما قلق عند ابن عطية « 2 » ؛ لأنه أراد بقاء « أَنْ أَقِيمُوا » على معناها من موضوع الأمر » ، فليس القلق عنده لذلك فقط كما حصره الشيخ ، بل لأمر آخر من جهة اللفظ ، وهو أن السّياق التّركيبيّ يقتضي على ما قاله الزجاج أن يكو ن « لنسلم وأن نقيم » ، فتأتي في الفعل الثاني بضمير المتكلم ، فلما لم يقل ذلك قلق عنده ، ويدلّ على [ ما ذكرته ] « 3 » قول ابن عطية « 4 » : « بمعنى : ولنقم ثم خرجت بلفظ الأمر » إلى آخره . والخامس : أنه محمول على المعنى ؛ إذ المعنى قيل لنا : أسلموا وأن أقيموا . وقال الزجاج « 5 » : فإن قيل : كيف حسن عطف قوله : « وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ » على قوله « وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » ؟ . فالجواب من وجهين : الأول : أن يكون التقدير : وأمرنا لنسلم لرب العالمين ، ولأن نقيم الصلاة . الثاني : أن يكون التقدير : وأمرنا فقيل لنا أسلموا لربّ العالمين ، وأقيموا الصّلاة . فإن قيل : هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللّفظ الظّاهر ، والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه ، إلّا بالتأويل ؟ ! . فالجواب : لأن الكافر ما دام [ يبقى ] « 6 » على كفره كان كالغائب الأجنبي ، فلا جرم خوطب بخطاب الغائبين ، فيقال له : « وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » فإذا أسلم [ وآمن ] « 7 » ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم خوطب بخطاب الحاضرين ، ويقال له « وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ » فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب للتنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب ، والمؤمن قريب حاضر . فصل في أنه لا هدى إلا هدى اللّه اعلم أن اللّه - تعالى - لما بيّن أوّلا أن الهدى النافع هو هدى اللّه ، أردف ذلك الكلام الكلّيّ بذكر أشرف أقسامه على الترتيب ، وهو الإسلام ، وهو رئيس الطاعات الروحانية ، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانيّة ، والتقوى التي هي رئيسة باب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي ، ثم بيّن منافع هذه الأعمال ، فقال : « وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 164 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 308 . ( 3 ) في ب : هذا . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 308 . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 13 / 26 . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) سقط في أ .