عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

205

اللباب في علوم الكتاب

وفهم ، فأما من أعرض وتمرّد فهو تعالى ما صرّف هذه الآيات لهم . قوله تعالى : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ . قوله : « وكذّب به » « الهاء » في « به » تعود على العذاب المتقدّم في قوله : « عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ » قاله الزمخشري « 1 » . وقيل : تعود على القرآن . وقيل : تعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة . وقيل : على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهذا بعيد ؛ لأنه خوطب بالكاف عقيبه ، فلو كان كذلك لقال : وكذب به قومك ، وادّعاء الالتفات فيه أبعد . وقيل : لا بد من حذف صفة هنا ، أي : وكذب به قومك المعاندون ، أو الكافرون ؛ لأن قومه كلهم لم يكذّبوه ، كقوله : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ هود : 46 ] أي الناجين ، وحذف الصفة وبقاء الموصوف قليل جدا ، بخلاف العكس . وقرأ ابن أبي عبلة « 2 » : « وكذّبت » بتاء التأنيث ، كقوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ [ الشعراء : 105 ] ، كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ [ الشعراء : 160 ] باعتبار الجماعة . قوله : « وَهُوَ الْحَقُّ » في هذه الجملة وجهان : الظاهر منهما : أنها استئناف . والثاني : أنها حال من « الهاء » في « به » ، أي : كذبوا به في حال كونه حقّا ، وهو أعظم في القبح . والمعنى أن الضمير في « به » للعذاب ، فمعنى كونه حقّا لا بد أن ينزل بهم ، وإن عاد إلى القرآن ، فمعنى كونه حقّا ، أي : كتاب منزل من عند اللّه ، وإن عاد إلى تصريف الآيات أي : أنهم كذّبوا كون هذه الأشياء دلالات ، وهو حق « 3 » . قوله : « عليكم » متعلّق بما بعده ، وهو توكيد ، وقدم لأجل الفواصل ، ويجوز أن يكون حالا من قوله : « بوكيل » ؛ لأنه لو تأخّر لجاز أن يكون صفة له ، وهذا عند من يجيز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف ، وهو اختيار جماعة ، وأنشدوا عليه : [ الخفيف ] 2193 - غافلا تعرض المنيّة للمر * ءفيدعى ولات حين إباء « 4 »

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 34 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 86 ، البحر المحيط 4 / 156 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 21 . ( 4 ) البيت في الأشموني 2 / 177 ، المقاصد النحوية 3 / 161 ، الدر المصون 3 / 86 .