عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
204
اللباب في علوم الكتاب
والاستدلال ؛ لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف ، والمنازعة في الأديان ، وتفريق الخلائق إلى هذه المذاهب والأديان ، وذلك مذموم بهذه الآية ، والمفضي إلى المذموم مذموم ، فوجب أن يكون فتح باب النظر والاستدلال مذموما . وأجيبوا بالآيات الدالة على وجوب النّظر والاستدلال كما تقدّم مرارا . فصل في قراءة « يلبسكم » قرأ « 1 » أبو عبد اللّه المدني : « يلبسكم » بضم الياء من « ألبس » رباعيا ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون المفعول الثّاني محذوفا ، تقديره أو يلبسكم الفتنة ، و « شيعا » على هذا حال ، أي : يلبسكم الفتنة في حال تفرّقكم وشتاتكم . الثاني : أن يكون « شيعا » هو المفعول الثاني ، كأنه جعل النّاس يلبسون بعضهم مجازا كقوله : [ المتقارب ] 2191 - لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا « 2 » والشّيعة : من يتقوّى بهم الإنسان ، والجمع : « شيع » كما تقدم ، و « أشياع » ، كذا قاله الراغب « 3 » ، والظاهر أن « أشياعا » جمع « شيع » ك « عنب » و « أعناب » ، و « ضلع » و « أضلاع » و « شيع » جمع « شيعة » فهو جمع الجمع . قوله : « ويذيق » نسق على « يبعث » ، والإذاقة استعارة ، وهي فاشية : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [ القمر : 48 ] ، ذُقْ إِنَّكَ [ الدخان : 49 ] ، فَذُوقُوا الْعَذابَ [ الأنعام : 30 ] . وقال : [ الوافر ] 2192 - أذقناهم كئوس الموت صرفا * وذاقوا من أسنّتنا كئوسا « 4 » وقرأ الأعمش « 5 » : « ونذيق » بنون العظمة ، وهو التفات ، فائدته تعظيم الأمر ، والتحذير من سطوته . قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ . قال القاضي « 6 » : هذا يدلّ على أنه - تعالى - أراد بتصريف الآيات ، وتقرير هذه البيّنات أن يفهم الكل تلك الدلائل ، ويفقه الكل تلك البيّنات . وأجيب بأن ظاهر الآية يدلّ على أنه - تعالى - ما صرّف هذه الآيات إلا لمن فقه
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 85 ، البحر المحيط 4 / 155 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : المفردات 271 . ( 4 ) البيت في البحر 4 / 156 ، الدر المصون 3 / 86 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 86 . البحر المحيط 4 / 156 . ( 6 ) ينظر : الرازي 13 / 20 .