عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

198

اللباب في علوم الكتاب

قال الزمخشري « 1 » : « فالتفريط : التّواني والتأخير عن الحدّ ، والإفراط مجاوزة الحدّ ، أي : لا ينقصون مما أمروا به ، ولا يزيدون » . والثاني : أنّ معناه لا يتقدّمون على أمر اللّه ، وهذا يحتاج إلى نقل أنّ « أفرط » بمعنى « فرّط » ، أي : تقدّم . قال الجاحظ قريبا من هذا فإنه قال : « معنى لا يفرطون : لا يدعون أحدا يفرط عنهم ، أي : يسبقهم ويفوتهم » . وقال أبو البقاء « 2 » : ويقرأ بالتخفيف ، أي : لا يزيدون على ما أمروا به ، وهو قريب مما تقدّم . قوله : « ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ » . قيل « 3 » : المردود : هم الملائكة يعني كما يموت ابن آدم تموت أيضا الملائكة . وقيل : المراد : البشر يعني : أنهم بعد موتهم يردّون إلى اللّه تعالى . وهذه الآية تدلّ على أنّ الإنسان ليس مجرّد هذه البنية ؛ لأن صريح هذه الآية يدلّ على حصول الموت للعبد ، ويدلّ على أنه بعد الموت يردّ إلى اللّه ، والميّت مع كونه ميّتا لا يمكن أن يرد إلى اللّه ؛ لأن ذلك الرّدّ ليس بالمكان والجهة لكونه - تعالى - متعاليا عن المكان والجهة ، فوجب أن يكون ذلك الرّدّ مفسّرا بكونه منقادا لحكم اللّه . وما لم يكن حيّا لم يصحّ هذا المعنى فيه . وقد ثبت أنّ هاهنا موتا وحياة ، أما الموت فنصيب البدن ، فبقي أن تكون الحياة نصيب النّفس والروح ، فلمّا قال تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ ثبت أنّ المردود هو النّفس والرّوح ، وثبت أن الإنسان ليس إلّا النّفس والروح ، وهو المطلوب . فصل في عموم الآية الآية في المؤمنين والكافرين جميعا ، وقد قال في آية أخرى وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] . فكيف وجه الجمع ؟ فقيل : المولى في تلك الآية بمعنى النّاصر ، ولا ناصر للكفّار ، والمولى هاهنا بمعنى الملك الذي يتولّى أمورهم ، واللّه - عزّ وجلّ - مالك الكلّ ومتولّي أمورهم . وقيل : المراد - هاهنا - المؤمنين خاصّة يردّون إلى مولاهم ، والكفّار فيه تبع . قوله : « مَوْلاهُمُ الْحَقِّ » صفتان للّه عزّ وجلّ . وقرأ الحسن « 4 » ، والأعمش : « الحقّ » نصبا ، وفيه تأويلان :

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 32 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 245 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 15 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 83 ، البحر المحيط 4 / 153 .