عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

161

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : أنّه - تعالى - حكى عن نوح أنه قال : وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 114 ] ثم إنه - تعالى - أمر محمّدا - عليه الصلاة والسلام - بمتابعة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في جميع الأعمال الحسنة بقوله : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] فوجب على محمد - عليه الصلاة والسلام - ألّا يطردهم [ فلما طردهم ] « 1 » كان ذلك ذنبا . ورابعها : أنه قال : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 28 ] وقال : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ طه : 131 ] . فنهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدّنيا ، فكان ذلك ذنبا . وخامسها : أن أولئك الفقراء كانوا كلّما دخلوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد هذه الواقعة يقول : « مرحبا بمن عاتبني ربّي فيهم » « 2 » أو لفظا هذا معناه ، وذلك أيضا يدلّ على الذّنب . فالجواب عن الأول : أنه - عليه الصلاة والسلام - ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم ، وإنّما عيّن لجلوسهم وقتا معيّنا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش ، وكان غرضه التّلطّف بهم في إدخالهم في الإسلام ، ولعله - عليه الصلاة والسلام - كان يقول : هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم [ بسبب هذه ] « 3 » المعاملة شيء من أمرهم في الدّنيا وفي الدّين ، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدّين والإسلام ، فكان ترجيح هذا الجانب أولى ، فأقصى ما يقال : إن هذا الاجتهاد وقع خطأ ، إلّا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور . وأما قولهم : إنه - عليه الصلاة والسلام - طردهم ، فيلزم كونه من الظالمين ؟ فالجواب : أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أن أولئك الفقراء كانوا يستحقّون التعظيم من الرسول - عليه الصلاة والسلام - فلمّا طردهم عن ذلك المجلس ، فكان ذلك ظلما ، إلّا أنّه من باب ترك الأولى أو الأفضل ، لا من باب ترك الواجبات ، وكذلك الجواب عن سائر الوجوه ، فإنّا نحمل كلّ هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى ، واللّه أعلم . قوله : « بالغداة » : قرأ « 4 » الجمهور « بالغداة » هنا وفي « الكهف » وابن عامر « 5 » « بالغدوة » بضم الغين وسكون الدال ، وفتح الواو في الموضعين ، وهي قراءة أبي عبد

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 12 / 193 - 194 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 68 ، البحر المحيط 4 / 139 ، حجة القراءات ص ( 251 ) ، النشر 2 / 258 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 12 - 13 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 68 ، البحر المحيط 4 / 139 ، حجة القراءات ص ( 251 ) ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 12 ، النشر 2 / 258 .