عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

152

اللباب في علوم الكتاب

ومنه دبر السّهم الهدف ، أي : سقط خلفه . وفي الحديث عن عبد اللّه بن مسعود : « من النّاس من لا يأتي الصّلاة إلّا دبريّا » أي : في آخر الوقت « 1 » . فصل في المراد بالآية والمعنى أنّ اللّه - تعالى - استأصلهم بالعذاب ، فلم يبق منهم باقية . و « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » . قيل : على هلاكهم . وقيل : تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه ، حمد اللّه نفسه على أن قطع دابرهم ؛ لأنه نعمة على الرّسل ، فذكر الحمد تعليما لهم ، ولمن آمن بهم أن يحمدوا اللّه على كفايته شرّ الظالمين ، وليحمد محمد وأصحابه ربّهم إذا أهلكنا المكذّبين . وتضمّنت هذه الآية الحجّة على وجوب ترك الظلم لما تعقّب من قطع الدّابر إلى العذاب الدائم مع استحقاق القاطع للحمد من كل حامد . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 46 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ المفعول الأوّل محذوف ، تقديره : أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذها اللّه ، والجملة الاستفهاميّة في موضع الثاني ، وقد تقدّم أن أبا حيّان يجعله من التّنازع ، وجواب الشرط محذوف على نحو ما مرّ . وقال الحوفي : وحرف الشّرط وما اتّصل به في موضع نصب على الحال ، والعامل في الحال « أرأيتم » كقولك : « اضربه إن خرج » أي : خارجا ، وجواب الشّرط ما تقدّم مما دخلت عليه همزة الاستفهام وهذا إعراب لا يظهر . ولم يؤت هنا ب « كاف » الخطاب ، وأتي به هناك ؛ لأن التّهديد هناك أعظم فناسب التأكيد بالإتيان ب « كاف » الخطاب ولمّا لم يؤت بالكاف وجب بروز علامة الجمع في التاء لئلا يلتبس ، ولو جيء معها بالكاف لاستغني بها كما تقدّم ، وتوحيد السّمع ، وجمع الأبصار مفهوم مما تقدّم في « البقرة » . قوله : « من إله » مبتدأ وخبر ، و « من » استفهاميّة ، و « غير اللّه » صفة ل « إله » و « يأتيكم » صفة ثانية ، و « الهاء » في « به » تعود على « سمعكم » . وقيل : تعود على الجميع ، ووحّد ذهابا به مذهب اسم الإشارة . وقيل : تعود على الهدى المدلول عليه بالمعنى .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي في تفسيره 6 / 275 .