عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
146
اللباب في علوم الكتاب
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ، إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] ومن كلام العرب : « دعوت اللّه سميعا » . قلت : ومثله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا [ الإسراء : 110 ] ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً [ الأعراف : 55 ] قال : « ولا تقول بهذا المعنى : « دعوت إلى اللّه » بمعنى : دعوت اللّه ، إلّا أنه يمكن أن يصحّح كلامه بمعنى التّضمين ، ضمّن « تدعون » معن ى « تلجؤون فيه إلى اللّه » إلّا أنّ التضمين ليس بقياس ، لا يصار إليه إلّا عند الضّرورة ، ولا ضرورة تدعو إليه هنا » . قال شهاب الدين « 1 » : ليس التضمين مقصورا على الضرورة ، وهو في القرآن أكثر من أن يحصر ، وقد تقدّم منه جملة صالحة ، وسيأتي إن شاء اللّه - تعالى - مثلها على أنه قد يقال : تجويز أبي محمّد عود الضمير إلى اللّه - تعالى - محمول على أن « إليه » متعلّق ب « يكشف » ، كما تقدّم نقله عن أبي البقاء ، وأن معناه يرفعه إليه ، فلا يلزم المحذور المذكور ، لولا أنه يعكّر عليه تقديره بقوله : « تدعون فيه إليه » ، فتقديره : « فيه » ظاهره أنه يزعم تعلّقه ب « تدعون » . قوله : « إن شاء » جوابه محذوف لفهم المعنى ، ودلالة ما قبله عليه ، أي : إن شاء أن يكشف كشف ، وادّعاء تقديم جواب الشرط هنا واضح لاقترانه ب « الفاء » فهو أحسن من قولهم : « أنت ظالم إن فعلت » لكن يمنع من كونها جوابا هنا أنها سببيّة مرتبة ، أي : أنها أفادت ترتّب الكشف عن الدعاء ، وأن الدّعاء سبب فيه ، على أن لنا خلافا في « فاء » الجزاء : هل تفيد السّببيّة أو لا ؟ قوله : وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ الظاهر في « ما » أن تكون موصولة اسمية ، والمراد بها ما عبد من دون اللّه مطلقا : العقلاء وغيرهم ، إلّا أنه غلّب غير العقلاء عليهم كقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ [ النحل : 49 ] والعائد محذوف ، أي : ما تشركونه مع اللّه في العبادة . وقال الفارسي : « الأصل : وتنسون دعاء ما تشركون ، فحذف المضاف » . ويجوز أن تكون مصدريّة ، وحينئذ لا تحتاج إلى عائد عند الجمهور . ثم هل هذا المصدر باق على حقيقته ؟ أي : تنسون الإشراك نفسه لما يلحقكم من الدّهشة والحيرة ، أو هو واقع موقع المفعول به ، أي : وتنسون المشرك به ، وهي الأصنام وغيرها ، وعلى هذه فمعناه كالأوّل ، وحينئذ يحتمل أن يكون السياق على بابه من « الغفلة » وأن يكون بمعنى التّرك ، وإن كانوا [ ذاكرين ] « 2 » لها أي : للأصنام وغيرها .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 63 . ( 2 ) في ب : داركين .